فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 4557

الثانى: خصائص النظم القرآنى في صفاء مفرداته ، وإحكام تراكيبه ، والإيقاع الصوتى لأدائه متلوًّا باللسان ، مسموعًا بالآذان ، وما يصاحب ذلك من إمتاع وإقناع ، كل ذلك أضفى على آيات القرآن خاصية الجذب إليه ، والميل الشديد إلى الإقبال عليه ، بحيث يجذب قارئه وسامعه واقعًا في أسره غير ملولٍ من طول الصحبة معه .

وتؤدى فواصل الآيات في القرآن دورًا مُهِمًّا في الإحساس بهذه الخصائص . ولنذكر لهذا"مثلًا"من سور القرآن الكريم:

بسم الله الرحمن الرحيم (والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا * فوسطن به جمعًا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بُعثر ما في القبور * وحُصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير) (1) .

عدد آيات هذه السورة [ العاديات ] إحدى عشرة آية ، وقد وزعت من حيث الفواصل ، وهى الكلمات الواقعة في نهايات الآيات ، على أربعة محاور ، هى: الثلاث الآيات الأولى ، وكل فاصلة فيها تنتهى بحرف الحاء: ضبحا قدحا صبحا .

والآيتان الرابعة والخامسة ، كل فاصلة فيهما انتهت بحرف العين: نقعا جَمْعا .

والآيات السادسة والسابعة والثامنة ، انتهت فواصلها بحرف الدال: لكنود لشهيد لشديد .

أما الآيات التاسعة ، والعاشرة ، والحادية عشرة ، فقد انتهت فواصلها بحرف الراء: القبور الصدور لخبير .

مع ملاحظة أن حروف الفواصل في هذه السورة ماعدا الآيات الثلاث الأولى مسبوقة بحرف"مد"هو"الواو"فى:"لكنود"و"الياء"فى:"لشهيد لشديد".

ثم"الواو"فى: " القبور الصدور ثم"الياء"فى: " لخبير"وحروف المد تساعد على"تطرية"الصوت وحلاوته في السمع . لذلك صاحبت حروف المد كلمات"الفواصل"فى القرآن كله تقريبًا ، وأضفت عليها طابعًا غنائيًا من طراز فريد (2) جذب الإسماع ، وحرك المشاعر للإقبال على القرآن بشدة أسره إياهم عن طريق السماع ، ليكون ذلك وسيلة للإقبال على فقه معانيه ، ثم الإيمان به ."

ومن سمات سهولة الحفظ في هذه السورة أمران:

أنها سورة قصيرة ، حيث لم تتجاوز آياتها إحدى عشرة آية .

قصر آياتها ، فمنها ما تألف من كلمتين ، وهى الآيات الثلاث الأولى . ومنها ما تألف من ثلاث كلمات ، وهى الآيتان الرابعة والخامسة . ومنها ما تألف من أربع كلمات ، وهى الآيات: السادسة والسابعة والثامنة . وآيتان فحسب كلماتها خمس ، وهما العاشرة والحادية عشرة . وآية واحدة كلماتها سبع ، هى الآية التاسعة .

ونظام"عقد المعانى"فى السورة رائع كروعة نظمها . فالآيات الثلاث الأولى قَسَمٌ جليل بِخَيْلِ المجاهدين في سبيل الله .

والآيتان الرابعة والخامسة استطراد مكمل لمعانى المقسم به ، شدة إغارتها التى تثير غبار الأرض ، وسرعة عَدْوِِهٍَا ومفاجأتها العدوّ في الإغارة عليه .

ثم يأتى المقسم عليه في الآية السادسة:"إن الإنسان لربه لكنود": عاص لله ، كفور بإنعامه عليه .

وفى الآية السابعة إلماح إلى علم الإنسان بأنه عاق لربه ، شهيد على كفرانه نعمته .

وفى الآية الثامنة تقبيح لمعصية الإنسان لربه ، وإيثار حطام الدنيا على شكر المنعم .

أما الآيات الثلاث الأخيرة من (9) إلى (11) فهى إنذار للإنسان الكفور بنعم ربه إليه .

وهذه السمات ، ليست وقفًا كلها على سورة"والعاديات"بل هى مع غيرها ، سمات عامة للقرآن كله ، وبهذا صار القرآن سهل الحفظ لمن حاوله وصدق في طلبه وسلك الطريق الحق الموصل إليه (3) .

إن الحفظ كان العلاقة الأولى بين المسلمين وبين كتاب ربهم وكان الحفظ له وسيلة واحدة ضرورية يعتمد عليها ، هى السماع . وهكذا وصل إلينا القرآن ، من بداية نزوله إلى نهايته .

وأول سماع في حفظ القرآن كان من جبريل عليه السلام الذى وصفه الله بالأمين .

وأول سامع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمع القرآن كله مرات من جبريل .

وثانى مُسَمِّع كان هو عليه الصلاة والسلام بعد سماعه القرآن من جبريل .

أما ثانى سامع للقرآن فهم كُتَّابُ الوحى ، سمعوه من النبى عليه الصلاة والسلام فور سماعه القرآن من جبريل ؛ لأنه كان إذا نزل الوحى ، وفرغ من تلقى ما أنزله الله إليه دعا كُتَّابَ الوحى فأملى على مسامعهم ما نزل فيقومون بكتابته على الفور .

ثم يشيع عن طريق السماع لا الكتابة ما نزل من القرآن بين المؤمنين ، إما من فم الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو من أفواه كتاب الوحى .

وقد يسَّر الله تعالى لحفظ القرآن واستمرار حفظه كما أنزله لله ، أوثق الطرق وأعلاها قدرًا فكان صلى الله عليه وسلم يقرؤه على جبريل في كل عام مرة في شهر رمضان المعظم . ثم في العام الذى لقى فيه ربه تَمَّ عرض القرآن تلاوة على جبريل مرتين . زيادة في التثبت والتوثيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت