فهرس الكتاب

الصفحة 1147 من 4557

أوزان جموع القلة (2) بل من أوزان جموع الكثرة ولا ينفعهم قولهم إن اليهود أرادوا القلة ، لأن هذه القلة يدل عليها سياق الكلام لا المفردات المستعملة في التركيب.

وثالثًا: إن هذا التعبير لا ينظر فيه إلى جانب قلة أو كثرة ، ولكن ينظر فيه من جانب آخر ليس عند هؤلاء الأدعياء شرف الاتصاف به ؛ لأنهم دخلاء على لغة الإعجاز والتنزيل.

هذا الجانب هو: معاملة غير العاقل معاملة العاقل أو عدم معاملته (3) .

ووصف الأيام بـ"معدودة"فى ما حكاه الله عن اليهود هو وصف لها بما هو لائق بها ، لأن الأيام لا تعقل فأجرى عليها الوصف الذى لغير العقلاء ، وما جاء على الأصل فلا يسأل عنه ، ولكنهم لجهلهم المركب بلغة الإعجاز حسبوا الصواب خطأ ، والخطأ صوابًا. لأنهم زجوا بأنفسهم فيما لا ناقة لهم فيه ولا جمل.

أما معاملة غير العاقل معاملة العاقل ، فلها دواعٍ بلاغية لا يعرف عنها مثيرو هذه الشبهات كثيرًا ولا قليلًا.

وهى في النظم القرآنى من الكثرة بمكان ، ولا يعامل غير العاقل معاملة العاقل إلا بتنزيله منزلة العاقل لداع بلاغى يقتضى ذلك التنزيل.

وإذا كان القرآن قد عبَّر في وصف"أيامًا"فى آية البقرة هذه بـ"معدودة"وهو وصف غير العاقل جارٍ على الأصل ، فإنه عبَّر عن وصفها بـ"معدودات"فى موضع آخر ، هو قوله تعالى:

(ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون ) (4) .

فكان ينبغى أن يسأل هؤلاء عن اختلاف التعبير في الموضعين بدل أن يخطِّئوا الصواب وهم جاهلون. وها نحن نضع بين أيديهم الحق ناصع البياض.

فى آية البقرة جاء وصف"أيامًا"ـ"معدودة"بصيغة الإفراد ، وليس جمع كثرة كما زعموا.

وفى آية آل عمران جاء وصف"أيامًا"ـ"معدودات"جمعًا لا إفرادًا.

فلماذا ـ إذًا ـ اختلفت صيغة الوصف ، والموصوف واحد ، هو"أيامًا"؟

إذا قارنَّا بين الآيتين وجدنا آية البقرة مبنية على الإيجاز هكذا:

"وقالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة..".

ووجدنا آية آل عمران مبنية على الإطناب هكذا:

"ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات".

وازن بين صدر آية البقرة"وقالوا".

وبين صدر آية آل عمران"ذلك بأنهم قالوا".

تجد أن جملة"ذلك بأنهم"هذه العبارة اشتملت على اسم الإشارة الموضوع للبعيد ، الرابط بين الكلامين السابق عليه ، واللاحق به.

ثم تجد"الباء"الداخلة على"إن"فى"بأنهم".

ثم"إن"التى تفيد التوكيد ، ثم ضمير الجماعة"هم".

هذه الأدوات لم يقابلها في آية البقرة ، إلا واو العطف"وقالوا"إذًا المقامان مختلفان ، أحدهما إيجاز ، والثانى إطناب.

وهذا يبين بكل قوة ووضوح لماذا كان"معدودة". في آية البقرة ؟ و"معدودات"فى آية آل عمران ؟

كان وصف"أيامًا"فى آية البقرة"معدودة"لأن المقام فيها مقام إيجاز كما تقدم فناسب هذا المقام الإيجازى أن يكون الوصف موجزًا هكذا"معدودة".

وكان الوصف في آية آل عمران مطنبًا"معدودات"بزيادة"الألف"ليناسب مقام الآية الإطنابى كما تقدم (5) .

فانظر إلى هذه الدقائق واللطائف البيانية المعجزة التى عميت عنها مدارك"الخواجات"المتعالمين.

منشأ هذه الشبهة:

أما منشأ هذه

الشبهة فهو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أيامًا معدودات ) (1) .

والشاهد ـ عندهم ـ هو قوله عز وجل"معدودات"لأنهم يفهمون جهلا ـ أن"معدودات"جمع قلة ، وأن"معدودة"جمع كثرة ، وأيام الصيام في شهر رمضان ثلاثون يومًا. فهى أيام كثيرة يناسبها جمع الكثرة عندهم وهو"معدودة"ولكن القرآن أخطأ فوضع كلمة جمع قلة عندهم ، موضع"معدودة"وهى جمع كثرة عندهم كما تقدم. ثم عقبوا على هذا فقالوا"وكان يجب أن يجمعها جمع كثرة ، حيث أن المراد جمع كثرة ، عدته ثلاثون يومًا ، فيقول:"أيامًا معدودة"."

الرد على الشبهة:

سبق أن عدوا الأربعين جمع قلة ، وهنا جزموا بأن الثلاثين يومًا الرمضانية ، أو التسعة والعشرين يومًا جمع كثرة ، وأن القرآن أخطأ مرة أخرى حين عبَّر عنها بجمع القلة"معدودات"أليست هذه نادرة من نوادر الدهر ؟ كيف تكون الأربعون أقل من الثلاثين أو التسعة والعشرين ؟ هل هذا يصدر عن عاقل على وجه الأرض ؟

وما عدوه خطأً في هذه الآية ، وهو قوله تعالى:"معدودات"فهو عين الصواب لغة وبيانًا ، وقد أشرنا من قبل إلى أن معاملة غير العاقل معاملة العاقل أسلوب بلاغى رفيع المستوى ، وهو عند البلاغيين استعارة ، شبه فيها غير العاقل بالعاقل لداعٍ بلاغى ، يراعيه البليغ في كلامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت