فهرس الكتاب

الصفحة 1951 من 4557

إذا عرفت هذا فنقول: لفظ الآية يدل على حصول الزيادة واعتداد تلك الزيادة، فليس في اللفظ ألبتة ما يدل عليه إلا أن العقل يدل على أن تلك الزيادة يجب أن تكون زيادة عظيمة واقعة على خلاف المعتاد، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر في معرض الإنعام فائدة. قال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستين ذراعًا، وقال آخرون: تلك الزيادة هي مقدار ما تبلغه يدا إنسان إذا رفعهما، ففضلوا على أهل زمانهم بهذا القدر، وقال قوم يحتمل أن يكون المراد من قوله: { وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَسْطَةً } كونهم من قبيلة واحدة متشاركين في القوة والشدة والجلادة، وكون بعضهم محبًا للباقين ناصرًا لهم وزوال العداوة والخصومة من بينهم، فإنه تعالى لما خصهم بهذه الأنواع من الفضائل والمناقب فقد قرر لهم حصولها، فصح أن يقال: { وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَسْطةً } ولما ذكر هود هذين النوعين من النعمة قال: { فَاذْكُرُواْ ءالآءَ اللَّهِ } وفيه بحثان:

البحث الأول: لا بد في الآية من إضمار، والتقدير: واذكروا آلاء الله واعملوا عملًا يليق بتلك الإنعامات لعلكم تفلحون. وإنما أضمرنا العمل لأن الصلاح الذي هو الظفر بالثواب لا يحصل بمجرد التذكر بل لا بد له من العمل، واستدل الطاعنون في وجوب الأعمال الظاهرة بهذه الآية وقالوا: إنه تعالى رتب حصول الصلاح على مجرد التذكر، فوجب أن يكون مجرد التذكر كافيًا في حصول الصلاح. وجوابه ما تقدم من أن سائر الآيات ناطقة بأنه لا بد من العمل. والله أعلم.

البحث الثاني: قال ابن عباس: { آلآءَ اللَّهِ } أي نعم الله عليكم. قال الواحدي: واحد الآلاء إلى وألو وإلى. قال الأعشى:

أبيض لا يرهب الهزال ولا يقطع رحمًا ولا يخون إلي

قال نظير الآلاء الآناء، واحدها: أنا وإني وإني، وزاد صاحب «الكشاف» في الأمثلة فقال: ضلع وأضلاع، وعنب وأعناب.

ابن كثير

يخبر الحق سبحانه وتعالى عن تمردهم وطغيانهم وعنادهم وإنكارهم على هود عليه السلام { قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ } الآية؛

كقول الكفار من قريش:

{ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال: 32]

وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصنامًا، فصنم يقال له صُدَاء، وآخر يقال له صمود، وآخر يقال له الهباء، ولهذا قال هود عليه السلام: { قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ } أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم رجس، قيل: هو مقلوب من رجز. وعن ابن عباس: معناه سخط وغضب. { أَتُجَدِلُونَنِي فِى أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤكُمُ } أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلًا؟ ولهذا قال: { مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ } وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه، ولهذا عقبه بقوله: فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ

"فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَا نْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ; (آيتا 83 ، 84) ."

فقوله من الغابرين أي الباقين الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، مع أن كتاب الله يعلّمنا أن الله أرسل ملاكين أخرجا لوطًا وامرأته وابنتيه خارج المدينة لشفقة الرب عليه، ونبّها عليهم أن لا ينظر أحد إلى ورائه، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا. وأما امرأته فنظرت من ورائه بسبب تعلُُّق قلبها بالمدينة، فصارت عمود ملح

الرد

يقول مُدعي الشبهة: مع أن كتاب الله يعلّمنا أن الله أرسل ملاكين أخرجا لوطًا وامرأته .... ولكنه لم يذكر لنا أي كتاب المقصود ؟ هل هو كتاب الكاثوليك ام البروتستانت ام الأرثوذكس ام شهود يهوه ام السبتيين ؟

واعلم أن قول الحق { فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ } يحتمل أن يكون المراد من أهله أنصاره وأتباعه الذين قبلوا دينه ويحتمل أن يكون المراد المتصلين به بالنسب. قال ابن عباس: المراد ابنتاه. وقوله: { إِلاَّ امْرَأَتَهُ } أي زوجته. يقال: امرأة الرجل بمعنى زوجته. ويقال: رجل المرأة بمعنى زوجها لأن الزوج بمنزلة المالك لها، وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل، فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام، عرفت الزوجية. وملك النكاح، والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام، تعرف الزوجية. وقوله: { كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } يقال: غبر الشيء يغبر غبورًا، إذا مكث وبقي.

قال الهذلي:

فغبرت بعدهم بعيش ناصب .... وإخال أني لاحق مستتبع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت