وقال الكلبي: المراد بدار الفاسقين منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا ، وعن الحسن . وعطاء أن المراد بها جهنم ، وأيًا ما كان فالكلام على النهج الأول أيضًا ، ويجوز أن يكون على نهج الوعد والترغيب بناءً على ما روي عن قتادة أيضًا من أن المراد بدار الفاسقين أرض الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها مما أبيح لبني إسرائيل وكتب لهم حسبما ينطق به قوله عز وجل: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } [ المائدة: 21 ] ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث ، ويؤيده قراءة بعضهم { سأورثكم } ، وجوز على هذا أن يراد بالدار مصر ، وفي الكلام على هذه القراءة وإرادة أرض مصر من الدار تغليب لأن المعنى سأورثك وقومك أرض مصر ، ولا يصح ذلك عليها إذا أريد من الدار أرض الجبابرة بناءً على أن موسى عليه السلام لم يدخلها وإنما دخلها يوشع مع القوم بعد وفاته عليه السلام ، ويصح بناءً على القول بأن موسى عليه السلام دخلها ويوشع على مقدمته ، وجوز اعتبار التغليب على القراءة المشهورة أيضًا ، وقرأ الحسن { عَجَلٍ سَأُوْرِيكُمْ } بضم الهمزة وواو ساكنة وراء خفيفة مكسورة وهي لغة فاشية في الحجاز ، والمعنى سأبين لكم ذلك وأنوره على أنه من أوريت الزند ، واختار ابن جني في تخريج هذه القراءة ولعله الأظهر أنها على الإشباع كقوله:من حيثما سلكوا أدنو فأنظور ...
إن في القرآن أن بنى إسرائيل طلبوا رؤية الله. وفى التوراة أنهم قالوا لموسى:"تكلم أنت معنا ، ولا يتكلم معنا الله ؛ لئلا يموت" [خر 20: 19 ] فعكس القرآن الموضوع.
الرد على الشبهة:
إن المؤلف جاهل بما في كتابه. وإن فيه:
أ ـ أن اليهود رأوا الله.
ب ـ وأن موسى طلب رؤية الله.
جـ ـ وأنهم طلبوا أن لا يروا الله.
(أ) فموسى لما أخذ العهد على اليهود أن يعملوا بالتوراة ، بكّر في الصباح وبنى مذبحًا في أسفل الجبل. وأخذ العهد. ثم قال الكاتب:"ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرئيل ورأوا إله إسرائيل ، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بنى إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا" [خروج 24: 9ـ11] .
(ب) وطلب موسى رؤية الله"فقال: أرنى مجدك"ورد عليه بقوله:"لا تقدر أن ترى وجهى.لأن الإنسان لا يرانى ويعيش" [خر 33: 18] .
(ج) ولما تجلى الله للجبل ؛ حدث من هيبته حال التجلى نار ودخان وارتجف
كل الجبل جدًا. فارتعب بنو إسرائيل من هذا المنظر ، وقالوا لموسى: إذا أراد الله أن يكلمنا مرة أخرى ؛ فليكن عن طريقك يا موسى ونحن لك نسمع ونطيع. فرد الله بقوله: أحسنوا فيما قالوا. وسوف أكلمهم في مستقبل الزمان عن طريق نبى مماثل لك يا موسى من بين إخوتهم وأجعل كلامى في فمه ؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به [تث 18: 15ـ22] .
إن داود وسليمان ـ كما في القرآن ـ حكما في الحرث ، وإن سليمان راجع داود في الحكم.
ثم ذكر كلام المفسرين في هذه القضية. وعقب عليه بقوله: القضية تليق بأبشالوم بن داود ؛ لأنه كان دائمًا يعارض أقوال أبيه ولا تليق بسليمان.
الرد على الشبهة:
إن في التوراة أن سليمان كان حكيمًا. أحكم من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته. واللائق بحكمته هو الحكم في الحرث. ففى الإصحاح الرابع من سفر الملوك الأول:"وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق ، وكل حكمة مصر ، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأرزاحى ، وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول ، وكان صيته في جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل ، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى في لبنان ، إلى الزوفا الثابت في الحائط ، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته" [امل 4: 30ـ34] .
تفسير الألوسي - (ج 12 / ص 438)
{ ففهمناها * سليمان } عطف على { يَحْكُمَانِ } [ الأنبياء: 78 ] فإنه في حكم الماضي كما مضى .