الإنسان لا يرفع الله قضاءه إلا إذا رضي بالقضاء من إبتلى به .. فإذا رأيت قضاء قد طال على مقضي عليه كمرض لا يشقى رغم كل وسائل العلاج , أو إبتلاء في الأولاد أو المال ولم يرفع رغم طول الزمن .. فأعلم إن المتبلى غير راض بقضاء الله ومتبرم به .. وساعة يرضى ويسلم بحكمة القضاء .. يرفع عنه .. وإبراهيم صدق الرؤيا , وما دام قد صدقها برضا نفس وقبول وتسليم بحكمة الله سبحانه فيما يأمر به .. رفع القضاء عنه وقيل له لا تقتل إبنك .. وأتى الفداء بكبش نزل من السماء فكأن الله تبارك وتعالى هو الذي فدى إسماعيل بهذا الكبش .. ليس هذا فقط , ولكن الله سبحانه وتعالى بدلا من أن يميت الإبن الوحيد لإبراهيم وهو إسماعيل .. بشره بغلام ثان هو إسحاق ! إذن فالذي يقبل من الخلق على أوامر الحق الغيبية .. التي لا يعلم لها حكمة ثقة منه في حكمة الله سبحانه , يكون جزاؤه كبيرا .. وكلما كان الحكم أبعد عن تصور العقل .. كأن الإيمان أقوى في الصدور .. والذين يمتنعون من الخلق عن أشياء حرمها الخالق , لأنهم لا يعرفون الحكمة .. فإذا ظهرت الحكمة وعرف الضرر الذي يصيب الإنسان منها إمتنعوا عنها .. هؤلاء لا يمتنعون عن إيمان بأمر الله .. ولكن عن إيمان بالطب أو العلوم أو غير ذلك .. ولا بد أن نعرف أن هناك فرقا بين تكليف الخلق للخلق , وتكليف الخالق لخلقه . تكليف الخلق للخلق لا بد أن نعرف حكمته لتنفذه .. ولكن تكليف الخالق لخلق ننفذه إيمانا بحكمة الله سبحانه وتعالى فيما شرع .. وكل شيء جاء من المشرع وتقف عقولنا عن إدراكه فنحن ننفذه إيمانا بحكمة الله . الإمام على رضي الله عنه .. ساعة تكلم عن المسح على الخفين .. قال: لو أن المسألة تخضع للعقل .. لكان المسح على باطن القدم أولى من المسح على ظاهره .. لأن باطن القدم هو الذي يتعرض للإتساخ .. ولكن العملية هي إعداد النفس للإقبال على إليه يريدك أن تقبل عليه بالطاعة , ولا تستبيح لنفسك أن تدخل على الله سبحانه وتعالى بأي نوع من الجدل .. فالله سبحانه لا يُسألُ لا عما يفعل , ولا عما يأمر . إنك حينما تأتي لترجم الشيطان فأنت في الواقع تريد أن تسد عليه المداخل التي يدخل منها إلى نفسك .. سواء في قمة . عقيدتك برجم الشيطان الأكبر , أو في فروع عقيدتك برجم الشياطين الصغار .. وتقوم برجم الشيطان سبع مرات . كل هذا أمر حسي مناسب لماديتك .. ولكن هناك حكمة للأمر يجب ألا تخفي عليك هي أن الله سبحانه وتعالى يريد منا بعد أن أدينا مناسك الحج أن نتقبل قضاءه كله بالرضا مهما بدا لنا .. وأن نعلم أن ما قضى الله به هو الخير ...
يساهم المستشرق فير T.H.Weir في"دائرة المعارف الإسلامية"بتكريس شبهة التأثير النصراني واليهودي والجاهلي في صياغة ملامح الشريعة الإسلامية والإيحاء بأن العديد من العبادات التي جاء بها النبي محمد ما هي إلاّ موروثات متأصلة لدى العرب زمن الجاهلية حيث يقول تحت مادة"الجاهلية":"... ولكنه [محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم] وجد الحج إلى الأماكن المقدسة متأصّلًا في نفوس العرب لا يستطيع له دفعًا. وكان قصاراه أًلاّ يُبقي من بيوت العبادة إلاّ على بيت واحد جعله بيت الله الواحد".
ويقول الهولندي فنسنك في نفس الاتجاه تحت مادة"أصل الحج في الإسلام":"لم تكن نظرة النبي إلى الحج واحدة على الدوام، فلابد أنه اشترك كثيرًا في مناسكه وهو حَدِث، أمّا بعد دعوته فقد كانت عنايته قليلة أول الأمر بالحج. فلم يرد ذكر الحج في السور القديمة. ولا يبدو من المصادر الأُخرى أن النبي اتخذ خطة محددة حيال هذه العادة الوثنية الأصل".
ويفصّل"فنسنك"أكثر في دعمه لهذه الشبهة فيقول تحت نفس المادة:"إن الوقوف في سهل عرفات من أهم مناسك الحج، فالحج بدون الوقوف باطل في الإسلام، وإنما يفسّر هذا الأمر بأنه أثر لفكرة جاهلية، وقد وازن"هوتسما Houtsma"بين الوقوف وبين إقامة بني إسرائيل على جبل سينا. فهؤلاء يعدّون أنفسهم لهذه الإقامة بالامتناع عن النساء وبغسل ثيابهم، وبذلك يقفون أمام الرب، وعلى هذا النحو لا يقرب المسلمون النساء ويرتدون ثياب الإحرام ويقفون أمام الخالق في سفح جبل مقدّس".
وينساق"فنسنك"تحت مادة"إحرام"مع هذه الدعوى قائلًا:"ونلاحظ أن ثوب الإحرام ربما كان الثوب المقدّس عند قدماء الساميين، إذْ إنَّ الجزء الأعلى من الثوب الذي كان يرتديه الكاهن الأعظم في"العهد القديم"كان غير مخيط.. ويرتدي كهنة اليهود الأفود"الصُّدرة"حول الحرقفتين والمَيل حول الكتفين. ونجد لهذا نظيرًا في الإسلام عند الصلاة وفي تكفين الميت."