فهرس الكتاب

الصفحة 1822 من 4557

والجواب عن السادس: إن بتقدير أن يكون الذي ألقي شبه عيسى عليه السلام عليه كان مسلمًا وقبل ذلك عن عيسى جائز أن يسكت عن تعريف حقيقة الحال في تلك الواقعة ، وبالجملة فالأسئلة التي ذكروها أمور تتطرق الاحتمالات إليها من بعض الوجوه ، ولما ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أخبر عنه امتنع صيرورة هذه الأسئلة المحتملة معارضة للنص القاطع ، والله ولي الهداية .

في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 375)

وأما أن الله جعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة .

فلا يصعب القول فيه . فالذين اتبعوه هم الذين يؤمنون بدين الله الصحيح . . الإسلام . . الذي عرف حقيقته كل نبي ، وجاء به كل رسول ، وآمن به كل من آمن حقًا بدين الله . . وهؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة في ميزان الله . . كما أنهم كذلك في واقع الحياة كلما واجهوا معسكر الكفر بحقيقة الإيمان ، وحقيقة الاتباع . . ودين الله واحد . وقد جاء به عيسى بن مريم كما جاء به من قبله ومن بعده كل رسول . والذين يتبعون محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هم في الوقت ذاته اتبعوا موكب الرسل كلهم . من لدن آدم - عليه السلام - إلى آخر الزمان .

وهذا المفهوم الشامل هو الذي يتفق مع سياق السورة ، ومع حقيقة الدين كما يركز عليها هذا السياق .

وصل إلى دار الإفتاء من الأَخ عمر الغيلان بمكة المكرمة سؤال يقول فيه: إن الله تعالى يقول في كتابه عن النصارى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) الآيات (33) ومعلوم لدينا في الوقت الحاضر عداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين. فما موقفنا منهم؟ ويقول: هل تجوز اللعنة عليهم كما جازت على اليهود؟ ويصف شدة حيرته في هذه المسأَلة.

فأَجاب سماحة المفتي بالجواب التالي:

ليس في الثناء المذكور في هذه الآيات ما يوجب الحيرة في شأْن النصارى والتوقف في لعنتهم، فإن الموصوفين بتلك الصفات ليس المقصود بهم جميع النصارى بل طائفة منهم استجابت للحق ولم تستكبر عن اتباعه. وفي تعيين تلك الطائفة مسلكان للمفسرين:

1-أَن المقصود بهذه الطائفة أًصحاب النجاشي: اما الذين آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين كما في رواية أَبي الشيخ وابن جرير عن عطاء. واما الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، لما أَخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أَبي حاتم وأَبو الشيخ عن مجاهد أَنه قال في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال هم الوفد الذين جاءوا مع جعفر وأَصحابه من أَرض الحبشة.

2-إن تلك الطائفة قوم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام من أَهل الإيمان فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به وصدقوه، لما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وأَبو الشيخ عن قتادة في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى) قال أُناس من أَهل الكتاب كانوا على على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أَنه من عند الله فأَثنى عليهم بما تسمعون. وعلى هذين التفسيرين اقتصر ابن جرير الطبري في تفسيره. اختار أَن هذه الآيات في صفة أَقوام بهذه المثابة سواء كانوا أَصحاب النجاشي أَو غيرهم. وعبارته: والصواب في ذلك عندي أَن الله وصف صفة قوم قالوا إنا نصارى أَن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أَقرب الناس ودادًا لأَهل الإيمان بالله ورسوله ولم يبين لنا أَسماءهم. وقد يجوز أَن يكون اريد بذلك أَصحاب النجاشي. ويجوز أَن يكون أُريد به قوم كانوا على شريعة عيسى عليه السلام فأَدركهم الإسلام فأَسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أَنه الحق ولم يستكبروا عنه.

وتوجيه هذه الآيات إلى أَنها في طائفة معينة من النصارى استجابت للحق. هو المشهور، وهو الذي يقتضيه سياق الآيات المسئوول عنها وإليه مال العلامة ابن القيم في (هداية الحيارى من اليهود والنصارى) .

ثم قال بعد كلام طويل في هذه الآيات: والمقصود ان هؤلاء -أَي الموصوفين بهذه الصفات الذين عرفوا أَنه رسول الله بالنعت الذي عندهم فلم يملكوا أَعينهم من البكاء وقلوبهم من المبادرة إلى الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت