فهرس الكتاب

الصفحة 1048 من 4557

أما الطريق الأولى: ففيها الكلبي و هو كذّاب كما تقدم بيانه قريبًا.

و أما الطريق الثانية: ففيها من لم يسمّ.

و أما الطريق الثالثة: ففيها أبو بكر الهذلي. قال الحافظ في"التقريب":"أخباري متروك الحديث"لكن قد قرن فيها أيوب، و الظاهر أنه السختياني، فلا بد أن يكون في الطريق إليه من لا يُحتَج به لأن الحافظ قال في"الفتح" (8/355) بعد أن ساقه من الطرق الثلاث:"وكلها ضعيف أو منقطع".

و قد ذكر ما يفيد أن ابن مردويه أخرجها من طريق عباد بن صهيب، و هو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته من"الميزان".

و له طريق رابع، أخرجه ابن جرير (17/120) ، حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي. ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس،"أن نبي الله صلى الله عليه و سلم بينما هو يُصلّي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يقول: (أفرأيتم اللات و العزى(19) و مناة الثالثة الأخرى (20 ) ) [النجم] ، ألقى الشيطان:"إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى"، فجعل يتلوها، فنزل جبريل صلى الله عليه و سلم فنسخها، ثم قال له: (و ما أرسلنا من قبلك ...) الآية [الحج: 52] ."

رواه ابن مردويه أيضًا كما في"الدرر" (4/366) .

قلت: و هذا إسناد ضعيف جدًا، مُسَلسَل بالضعفاء: محمد ابن سعد، هو ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر العوفي ترجمه الخطيب في"تاريخ بغداد" (5/322-323) و قال:"كان ليّنًا في الحديث".

و والده سعد بن محمد ترجمه الخطيب أيضًا (9/126- 127) و روى عن أحمد أنه قال فيه:"لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه، و لا كان موضعًا لذلك".

و عمه هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، و هو متفق على ضَعفه ترجمه الخطيب (8/29- 32) و غيره.

و أبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضًا اتفاقًا، و قد أورده ابن حبان في"الضعفاء"و قال:"مُنكَر الحديث، فلا أدري البَلِيّة منه أو من ابنه، أو منها معًا؟"ترجمته في"تهذيب التهذيب".

و كذا والده عطية، و هو مشهور بالضَّعف

ثالثًا: بطلان القصة متنًا:

تلك هي روايات القصة، و هي كلها كما رأيت مُعَلَّة بالإرسال و الضّعف و الجَهالة، فليس فيها ما يصلُح للإحتجاج به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضَعفها بل بطلانها، ما فيها من الاختلاف و النّّكارة مما لا يليق بمقام النبوة و الرسالة، و إليك البيان:

أولًا: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على لسان النبي صلى الله عليه و سلم بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين،"تلك الغرانيق العلى، و إن شفاعتهن لترتجى".

ثانيًا: و في بعضها كالرواية الرابعة:"و المؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم و لا يتهمونه على خطأ و هم"ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه و سلم، و لم يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن!! بينما تقول الرواية السادسة:"و لم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان"فهذه خلاف تلك.

ثالثًا: و في بعضها كالرواية (1و 4 و 7 و 9) : أن النبي صلى الله عليه وسلم بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل:"معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان!!".

رابعًا: و في الرواية الثانية أنه صلى الله عليه و سلم سها حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا ينتبه من سهوه؟!

خامسًا: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك ألقيَ عليه و هو يصلي!!

سادسًا: و في الرواية (4 و 5 و 9 ) أنه صلى الله عليه و سلم تمنّّى أن لا ينزل عليه شيء من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه!! و انظر المقام الرابع من كلام ابن العربي الآتي (ص50)

سابعًا: و في الرواية (4 و 6 و 9) أنه صلى الله عليه و سلم قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه"أفتريتُ على الله، و قلتُ على الله ما لم يقل، و شركني الشيطان في أمر الله!!".

فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لا سيّما هذا الأخير منها فإنه لو كان صحيحًا لصدق فيه، عليه السلام، - وحاشاه- قوله تعالى:"و لو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا من الوتين (46 ) ) [الحاقة] "

فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سندًا و متنًا. و الحمد لله على توفيقه و هدايته.

رابعًا: سبب سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه و سلم:

رب سائل يقول: إذا ثبت بطلان إلقاء الشيطان على لسانه عليه الصلاة و السلام جملة"تلك الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى"فَلِمَ إذن سجد المشركين معه صلى الله عليه و سلم و ليس ذلك من عادتهم؟

و الجواب ما قاله المحقق الآلوسي بعد سطور من كلامه الذي نقلته آنفًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت