فهرس الكتاب

الصفحة 1852 من 4557

ولا يجر ذلك - كما زعم الملاحدة الطاعنون - إلي شيء من السفسطة التي ذكروها ، فلم يقل القرآن الكريم بشيء من ذلك ، إنما قال بما تدل عليه ملاحظة هذه الأنواع ، وهو أن لها منطقًا ، أما علم الهندسة ، والنحو ، والتكاليف ، والمعجزات؛ فإنما هو من قول الملاحدة الذي يرد عليهم ، لأننا لا نحمل القرآن الكريم إلا ما نطق به لا ما قام في أوهام الملاحدة.

(ب) فيما يتصل بطيران الهدهد من الشام إلي اليمن ، ثم الرجوع إلى الشام ، فالذي ورد في القرآن الكريم عنه قوله تعالى:( فمكث غير بعيد .. ( [ النمل: 22 ] ، وليس في القرآن الكريم تحديد أن الهدهد مكث"لحظة"كما يقول هؤلاء ، ولا يفهم من"غير بعيد"في سياقها إلا مدة تكفي للطيران ، وقد قرئت على صفحاء العرب من المشركين في عصر الرسالة - وهم أعلم باللغة ، وكانوا يعرفون اليمن والشام - فما أثاروا - فيما علمنا - هذا الاعتراض ، فعلم منه أن التعبير القرآني يخلوا عن دواعي اعتراض هؤلاء الملاحدة .

(ج) أنا كيف خفي على سليمان حال مملكة سبأ - فإن القرآن الكريم لم يصفه بأنه كان يعرف الغيب ، وقد كان هذا غيبا بالنسبة إليه ، وليس فيما وصف القرآن الكريم به سليمان عليه السلام إلا تسخير الرياح والشياطين وتعليم منطق الطير وإيتاء الملك الذي لا ينبغي لأحد بعده ، لكن ليس فيه شيء من وصفه بعلم غير ما علمه الله له ، فما العجب في أن تكون في الأرض أشياء وممالك كان سليمان - مع عظمة ما أعطاه الله له - يجهلها ؟ إن القرآن الكريم لا يذكر شيئا عن أن سليمان - عليه السلام - كان ملك الدنيا كلها بأكملها - كما يزعم هؤلاء الطاعنون - ولعل مستندهم في هذا إنما هو بعض المبالغات الإسرائيلية التي لم يرد لها ذكر في الوحي القرآني .

أما إذا كان واحد منهم قد فهم ذلك من قوله تعالى: ( وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون ( [النمل: 16] ، فهو لا يعرف شيئًا عن أساليب البيان العربية ، لأن(من) هنا للتبعيض ، وليس المعني أن كل الأنس - دون استثناء - كانوا تحت ملكه .

ولعل الذي جر الطاعنين إلي طعنهم ما ذكروه هم من أنه كان تحت راية ملكة سبأ اثنا عشر الف ملك تحت راية كل منهم مائة ألف !

وليس في نصوص القرآن الكريم شيء من هذا مطلقًا ، والعدد الذي ذكروه يجاوز بكثير جدًا ما يمكن أن يكون موجودًا عندئذ من عدد السكان ، وهو يذكرنا بما نقده ابن خلدون من مبالغات المؤرخين القدماء ، وما حذر منه ( فيكو) من غرور الأمم حين تكتب تارخها - فكيف تحمل هذه المبالغات على نصوص القرآن الكريم التي لم تعرض لها إطلاقًا ؟

فلا عجب إذن أن يجهل سليمان - عليه السلام - أمر ملكة سبًا مع كل ما أعطاه الله له ، لأنه لم يعطه علم كل ما في الأرض ، ولم تكن هناك اتصالات منتظمة بين المالك بحيث تعرف كل منها الأخرى ، وتتصل بها على النحو الذي نعهده في عصرنا والذي حدث بعد ذلك بحكم التطور العمراني ، ولم تكن الجن التي سخرت لسليمان - عليه السلام - أيضًا تعرف الغيب كما ورد في قوله تعالي: ( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ( [سبأ: 14] .

(د) أما من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلي الشيطان وتزيينه؟ فإنما كان الهدهد من جند سليمان عليه السلام ، والآيات تتكلم عن أمر ( غيبي ) لا يقاس على معرفة البشر الآن بأحوال الطير ، وما المانع من أن تكون فطرة كافة المخلوقات عارفة بوجوب السجود لله تعالى وحده ، وقد جاء في القرآن الكريم شاهدًا بذلك قوله تعالى: ( اولم يروا إلي ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدًا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( [ النحل: 48-49] وقوله: ( والنجم والشجر يسجدان ( [الرحمن: 6] وقوله: ( الم تر ان الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ( [النور: 41] وقوله ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهم وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليمًا غفورًا ( [الإسراء: 44] ... فما العجب بعد هذا كله أن بكون الهدهد من جند سليمان - عليه السلام - عارفًا لوجوب السجود لله تعالى وحده منكرًا السجود لغيره ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت