فهرس الكتاب

الصفحة 1296 من 4557

وقوله تعالى: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلًا } قيل عطف على { رب أنهم عصوني } [ نوح: 21 ] على حكاية كلام نوح عليه السلام بعد قال والواو النائبة عنه ومعناه قال: رب إنهم عصوني وقال لا تزد الخ أي قال هذين القولين على أن الواو من كلام الله تعالى لأنها داخلة في الحكاية وما بعدها هو المحكي وإليه ذهب الزمخشري وإنما ارتكب ذلك فرارًا من عطف الإنشاء على الخبر وقيل عطف عليه والواو من المحكي والتناسب إنشائية وخبرية غير لازم في العطف كما قاله أبو حيان وغيره وفيه خلاف وفي «الكشف» لك أن تجعله من باب { واهجرني مليًا } [ مريم: 46 ] أي فاخذلهم ولا تزدهم وفي العدول إلى الظالمين إشعار باستحقاقهم الدعاء عليهم وإبداء لعذره عليه السلام وتحذير ولطف لغيرهم وفيه أنه بعض ما يتسبب من ساويهم وهو معنى حسن فعنده العطف على محذوف إنشائي ولعل الأولى أن يقال إن العطف على رب إنهم عصوني والواو من المحكي والتناسب حاصل وقال الخفاجي الظاهر أن الغرض من قول: رب إنهم الخ الشكاية وإبداء العجز واليأس منهم فهو طلب للنصرة عليهم كقوله { رب انصرني بما كذبون } [ المؤمنون: 26 ] ولو لم يقصد ذلك تكرر مع ما مر منه عليه السلام فحينئذٍ يكون كناية عن قوله اخذلهم أو انصرني أو اظهر دينك أو نحوه فهو من عطف الإنشاء على الإنشاء من غير تقدير ويشهد له أن الله تعالى سمى مثله دعاء حيث قال سبحانه { فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون } [ الدخان: 22 ] فتدبر وهو حسن خال عن التكلف وارتكاب المختلف فيه إلا أن في الشهادة دغدغة والمراد بالضلال المدعو بزيادته أما الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم فيكون ذلك دعاء عليهم بعدم تيسير أمورهم وأما الضلال بمعنى الهلاك كما في قوله تعالى: { إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ } [ القمر: 47 ] وهو مأخوذ من الضلال في الطريق لأن من ضل فيها هلك فيكون المعنى أهلكهم وفسره ابن بحر بالعذاب وهو قريب مما ذكر وقيل هو على ظاهره أعني الضلال في الدين والدعاء بزيادته إنما كان بعد ما أوحي إليه عليه السلام أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ومآله الدعاء عليهم بزيادة عذابهم ويحتاج إلى دليل وبما سمعت ينحل ما يقال أن طلب الضلال ونحوه إما غير جائز مطلقًا أو إذا دعى به على وجه الاستحسان وبدونه وإن كان جائزًا لكنه غير ممدوح ولا مرضي فكيف دعا بذلك نوح عليه السلام عليهم .

التحرير والتنوير - (ج 15 / ص 345)

وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ .

يجوز أن تكون هذه الجملة تتمة كلام نوح متصلةً بحكاية كلامه السابق ، فتكون الواو عاطفة جزء جملة مقولةٍ لفعل { قال } [ نوح: 21 ] على جزئها الذي قبلها عطف المفاعيل بعضِها على بعض كما تقول قال امرؤ القيس قفا نبْك . ختم نوح شكواه إلى الله بالدعاء على الضالّين المتحدث عنهم بأن يزيدهم الله ضلالًا .

ولا يريبك عطف الإِنشاء على الخبر لأن منع عطف الإِنشاء على الخبر على الإِطلاق غير وجيه والقرآن طافح به .

ويجوز أن تكون جملة { ولا تزد الظالمين إلاّ ضلالًا } غير متصلة بحكاية كلامه في قوله: { قال نوح رب إنهم عصوني } [ نوح: 21 ] بل هو حكاية كلام آخرَ له صدر في موقف آخر ، فتكون الواو عاطفة جملة مقولة قول على جملة مقولة قول آخر ، أي نائبةٍ عن فعل قال كما تقول: قال امرؤ القيس:

قِفَا نَبْكِ ... و:

أَلاَ عمْ صباحًا أيها الطلل البالي ... وقد نحا هذا المعنى من يأبون عطف الإِنشاء على الخبر .

والمراد ب { الظالمين } : قومه الذين عصوه فكان مقتضى الظاهر التعبير عنهم بالضمير عائدًا على { قومي } من قوله: { دعوتُ قومي ليلًا ونهارًا } [ نوح: 5 ] فعدل عن الإِضمار إلى الإِظهار على خلاف مقتضى الظاهر لما يؤذن به وصف { الظالمين } من استحقاقهم الحرمان من عناية الله بهم لظلمهم ، أي إشراكهم بالله ، فالظلم هنا الشرك { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان: 13 ] .

والضلال ، مستعار لعدم الاهتداء إلى طرائق المكر الذي خشي نوح غائلته في قوله: { ومكروا مكرًا كُبارًا } [ نوح: 22 ] ، أي حُلْ بيننا وبين مكرهم ولا تزدهم إمهالًا في طغيانهم علينا إلاّ أن تضللهم عن وسائله ، فيكون الاستثناء من تأكيد الشيء بما يشبه ضده ، أو أراد إبهام طرق النفع عليهم حتى تنكسر شوكتهم وتلين شكيمتهم نظير قول موسى عليه السلام { ربَّنا اطمِسْ على أموالهم واشْدُد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [ يونس: 88 ] .

وليس المراد بالضلال الضلال عن طريق الحق والتوحيد لظهور أنه ينافي دعوة نوح قومه إلى الاستغفار والإِيمان بالبعث فكيف يسأل الله أن يزيدهم منه .

ويجوز أن يكون الضلال أطلق على العذاب المسبب عن الضلال ، أي في عذاب يوم القيامة وهو عذاب الإِهانة والآلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت