فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولعل صاحب المنار - رحمه الله - أراد بهذا التفسير أن يبعد يوسف - عليه السلام - عن أن يكون قدهم بها هم ميل بمقتضى الطبيعة البشرية ، ونحن لا نرى مقتضيا لهذا الإِبعاد ، لأن خطور المناهى في الأذهان ، لا مؤاخذة عليها ، ما دامت لم يصاحبها عزم أو قصد - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك من قبل .
هذا وهناك أقوال أخرى لبعض المفسرين في معنى الآية الكيرمة ، رأينا أن نضرب عنها صفحا؛ لأنه لا دليل عليها لا من العقل ولا من النقل ولا من اللغة . . . وإنما هى من الأوهام الإِسرائيلية التى تتنافى كل التنافى مع أخلاق عباد الله المخلصين ، الذين على رأسهم يوسف - عليه السلام .
قوله - سبحانه - { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السواء والفحشآء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } بيان لمظهر من مظاهر رحمة الله - تعالى - به ، ورعايته له .
والكاف: نعت لمصدر محذوف والإِشارة بذلك إلى الإِراءة المدلول عليها بقوله { لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك .
والصرف: نقل الشئ من مكان إلى مكان والمراد به هنا: الحفظ من الوقوع فيما نهى الله عنه ، أى: أريناه مثل هذه الإِراءة أو ثبتناه تثبيتا مثل هذا التثبيت لنعصمه ونحفظه ونصونه عن الوقوع في السوء - أى في المنكر والفجور والمكروه - والفحشاء - أى كل ما فحش وقبح من الأفعال كالزن ونحوه .
{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } - بفتح اللام - أى: إنه من عبادنا الذين أخلصناهم لطاعتنا وعصمناهم من كل ما يغضبنا .
وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمر"المخلصين"- بكسر اللام - أى: إنه من عبادنا الذين أخلصوا دينهم لنا .
والجملة الكريمة على القراءتين تعليل لحكمة صرفه - عليه السلام - عن السوء والفحشاء .
81-نوح يدعو للضلال
إن نوحًا ـ عليه السلام ـ قال لله تعالى: (ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا ) (1) ؛ فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالًا ؟
الرد على الشبهة:
إن نوحًا لم يدع ربه أن يزيد الناس ضلالًا ، وإنما دعا على الظالمين من الناس. ومثل ذلك: ما في التوراة عن الأنبياء فإنهم دعوا على الظالمين ، ولم يدعوا على كل الناس. ففى المزمور الثامن عشر:"من الرجل الظالم تنقذنى"ـ"مثل طين الأسواق ؛ اطرحهم"، وفى الإنجيل يقول المسيح لله عن الذين آمنوا به:"احفظهم في اسمك الذين أعطيتنى" [يو 17: 11] ولم يدع للكل.
تفسير الرازي - (ج 16 / ص 63)
وأما قوله تعالى: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلًا } ففيه سؤالان:
الأول: كيف موقع قوله: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين } ؟ الجواب: كأن نوحًا عليه السلام لما أطنب في تعديد أفعالهم المنكرة وأقوالهم القبيحة امتلأ قلبه غيظًا وغضبًا عليهم فختم كلامه بأن دعا عليهم .
السؤال الثاني: إنما بعث ليصرفهم عن الضلال فكيف يليق به أن يدعو الله في أن يزيد في ضلالهم؟ الجواب: من وجهين: الأول: لعله ليس المراد الضلال في أمر الدين ، بل الضلال في أمر دنياهم ، وفي ترويج مكرهم وحيلهم الثاني: الضلال العذاب لقوله: { إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ } [ القمر: 47 ] .
تفسير الألوسي - (ج 21 / ص 326)