صحيح أن هناك حكمًا ذاتية في الصلاة. فلا شك أن وقوف الإنسان أمام ربه خمس مرات في اليوم له فوائد ومصالح، ولكن إن أتينا إلى عدد الركعات فإن الله تعالى هو الذي قضى أن تكون عدد ركعات الوتر ثلاثا، وثلاث ركعات لصلاة المغرب، وأربع ركعات لصلاة العصر. ولو وكّل الأمر إلينا وقيل لنا أنتم مكلفون بالصلاة خمس مرات في اليوم، وعليكم أنتم إعطاء القرار حول شكل الصلاة، إذن لاختلفنا في هذا الأمر وأعطى كل منا رقمًا مختلفًا، ولقام كل منا بترتيب وتخطيط الصلوات حسب ظروفه ومشاغله اليومية. إن تعيين العدد بطريق العقل يختلف عن طريق الوحي. فالوحي ينسج لحياتك المعنوية من العلم الإلهي نسيجًا حكيمًا متميزًا. لذا يمكن البحث هنا عن حكم الصلاة، أما التساؤل عن عدد الركعات فلا.
لنزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة حكم مماثلة. فهو قد نزل في عهد بدأت فيه أمارات لبداية رقي الإنسانية وتكاملها. لذا جاء أكمل نبي وهو الرسول محمد صلى الله عليه و سلم المصطفى من قبل الله وأحب الناس إليه. وكانت مهمة أصحابه أن يكونوا معلمين للأمم المتحضرة وأن يرقوا بها إلى أعلى مراتب التقدم. غير أن العادات السيئة والأخلاق الذميمة قد استولت على نفوسهم وجرت مجرى الدم في عروقهم، فكانت مهمة نزع هذه الأخلاق والعادات السيئة واحدة تلو الأخرى تختلف عن مهمة القيام -بعد هذا- بزرع العادات الحميدة والأخلاق الفاضلة في نفوسهم. فلو نزل القرآن دفعة واحدة وطالبهم بكل هذه الأمور دفعة واحدة لعجزوا ولم يتحملوا ذلك. علما بأن هذا أمر مخالف لسنن الكون ولطرق تكامل الإنسان.
نستطيع أن نعطي أمثلة عن حياتنا الحالية ولنفكر في الذين اعتادوا على التدخين أو ابتلوا بالإدمان على الخمر أو على التسكع في الشوارع أو إدمان الجلوس في المقاهي. فلو قطعت رأس هؤلاء ولو قلت لأحدهم: يا فلان! إن ذهبت إلى المقهى فستموت، لاخترع المعاذير وذهب إلى المقهى. ولو لم يذهب يومًا وبقى في البيت لقضى وقته وهو يطلق الحسرات والآهات ثم لم يتحمل واتخذ طريقه إلى المقهى. ذلك لأنه اعتاد على ذلك، ومن الصعب عليه تغيير ما اعتاد عليه مع أنها عادة صغيرة وغير مهمة.
والآن لنتناول المدمن على التدخين. إن قلت لمثل هذا المدمن"اترك التدخين، لأنه مضر بصحتك. لأن التدخين انتحار بطيء فكأنك ضربت خنجرًا في صدره"بل لو جعلت طبيبًا يذكر له أنه لا توجد فائدة في التدخين بل له الأضرار الفلانية والفلانية لتردد كثيرًا في ترك التدخين. بل إن كثيرًا من الأطباء يدخنون مع علمهم بأضراره.
ثم خذ المدمن على الخمر تراه قد تبدل عالمه فهو ثمل على الدوام، ولو نزل درجة واحدة لوصل إلى مستوى المخلوقات الدنيا. فلو طلبت منه ترك الخمر فجأة لكان طلبك هذا طلبًا لتغيير نفسيته وعادته.
والآن تصوروا وجود الآلاف الذين جرت مثل هذه العادات السيئة في عروقهم مجرى الدم، وكذلك من تطبع بأخلاق سيئة، ثم تأملوا معي ضرورة نزول القرآن بشكل تدريجي.
أجل! لقد قام القرآن بنزع الأشواك أولًا وإزالة العادات السيئة ثم قام بوظيفة التزيين. أي قام بتنظيف أرواحهم من الأخلاق السيئة أولًا، ثم زين نفوسهم بالأخلاق العالية. ونجح في إصلاح آلاف النفوس في مدة قصيرة. ونحن نعتقد أن نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة يعد نزولًا سريعًا. وكما قال بديع الزمان سعيد النورسي"ترى لو ذهب فلاسفة عصرنا إلى جزيرة العرب وبذلوا كل جهودهم فهل يستطيعون في مئة سنة إنجاز ما أنجزه رسولنا صلى الله عليه و سلم في سنة واحدة؟!"إننا نتحداكم، الكل يعرف بأن الخمر يسبب كل سنة خراب مئات البيوت، وتقوم جمعيات الهلال الاخضر، [2] بإلقاء العديد من المحاضرات كل سنة في هذا الموضوع، وأدرجت هذا الموضوع في المدارس المتوسطة والثانوية. ولكن كم من المدمنين على الكحول تركوا هذا الإدمان وتخلصوا منه؟ ولتقم الجامعات بكل أساتذتها ويعبئوا جهودهم سنة كاملة، فهل يستطيعون إنقاذ عشرين شخصًا من هؤلاء المدمنين؟ ولو نجحوا في هذا لعددنا هذا نجاحًا كبيرًا منهم وكتبنا نجاحهم هذا بحروف من ذهب بجانب اجراءات رسولنا صلى الله عليه و سلم. ولكن هيهات... هيهات.... لقد حدث ذلك مرة واحدة فقط ويعلم الأصدقاء والأعداء أن تكراره محال.
أجل! إن فترة ثلاث وعشرين سنة تعد فترة قصيرة وسريعة، لذا فإن ما عمله القرآن وما أنجزه يعد معجزة. فما قطعه رسولنا صلى الله عليه و سلم في ثلاث وعشرين سنة من مسافة لم تستطع البشرية قطعها في آلاف السنوات.. ولن تستطيع أن تقطعها.
وبينما استهدف القرآن الكريم إزالة المئات من العادات والأخلاق السيئة من النفوس من جهة، استهدف من جهة أخرى تزيين النفوس بالأخلاق الرفيعة السامية دون أن يؤذي هذه النفوس أو يجرحها أو يؤلمها، وقام بتمرير وتحقيق مسائل كثيرة في مراحل عديدة حتى جعلها صالحة للتطبيق، بينما تحتاج تحقيق بعض هذه المراحل في أيامنا الحالية إلى أضعاف مدة 23 سنة بعدة مرات.