فهرس الكتاب

الصفحة 1377 من 4557

إن من خصائص القصة القرآنية أنها صالحة للاعتبار والاستشهاد في كل زمان ، ولا عجب فهي جزء من هذا القرآن الذي هو موعظة دائمة ، ورسالة خالدة لا تنفد خزائنه ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق عن كثرة الرد .

نموذج:

فخذ مثلا من القصة القرآنية قصة"أصحاب الجنة"الذين غرهم المال ، وغيرهم الجشع والطمع ، فمنعوا حق المساكين الذين كان والدهم يوصله إليهم ، فلقد كان للمساكين نصيب من العطاء عندما كان صاحب تلك الجنة حيا ، ثم لما مات تآمر أبناؤه فيما بينهم واستكثروا ما ينقطع لهؤلاء المساكين من مالهم ، فاتفقوا على أن يقطعوا الثمر في وقت مبكر من النهار حيث يأمنون تعرض المساكين لهم في هذا الوقت الباكر .

وأقسموا اليمين على ذلك دون استثناء ، فباتوا على كيد وغدوا على حرد ، وإذا بطائف من الله تعالى يطوف عليها شجرة شجرة ، وثمرة ثمرة ، فلا يبقي منها باقية ، فكأنه سبقهم إليها من صرمها وأتى على ثمارها كلها .

فانظر كيف قوبل مكرهم وشدة تعميتهم وتبييتهم لسوء النية بهذا الانتقام الإلهي السريع قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ثم تخلص القصة إلى العبرة العظيمة: كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [القلم - 33] .

ألا ترى أن القصة في أحداثها وعبرتها تصلح أن تكون تذكارا صارخا في كل جيل لأولئك الذين بطروا نعمة الله ، وبدلوها جحودا وكنودا ، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ووسع عليهم من فضله ، وبسط لهم الرزق ، فأمسكت أيديهم ، وشحت قلوبهم ، ومنعوا حق الله عباد الله ، وأخفوا الشر ومنعوا الخير .

إنه نموذج من الكنود البشري المتكرر ، تصلح له هذه التذكرة القرآنية في كل عصر ، وهكذا كل القصص القرآني ، فإنه يصلح أن يكون عظة بليغة وتذكرة حالة إذا أحسن ربطه بالواقع ، بأسلوب موجز ، وعرض محكم .

واقع الآخرين:

ومما يحسن الاستشهاد به في الخطبة ، وتنويه الخطيب به بين الحين والحين ما يزخر به واقع غير المسلمين من تناقضات ، وما يعصف به من فساد وموبقات ، وآثار مدمرة في المجالات الصحية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، تتمثل في الأمراض الجنسية الفتاكة ، وجرائم القتل ، والاغتصاب ، والسرقة ، وترويج المخدرات ، وتفكك الأسرة ، والروابط الاجتماعية ، وغير ذلك مما يصلح أن تكون كل جزئية منه مدارا لمضمون خطبة ، ومحورا للتوجيه والتذكير ، واستخلاص العبر ، ولكن ليحذر الخطيب في هذا المجال من التهويل والمبالغة ، والإفراط في وصف تلك المجتمعات ، والاعتماد في استقاء المعلومات ، والإحصائيات على مصادر غير موثوق بها ، أو جهات غير معتمدة .

وليكن قصده بيان عظمة الإسلام ونعمته ، وسلامة المجتمع الإسلامي من أمراض الانحراف والشذوذ ، والإيدز ، وغير ذلك مما تعاني منه المجتمعات الكافرة والخارجة على دين الله تعالى المتمردة على شرائعه ، وليست مهمة الخطبة إيصال المعلومات الجديدة للناس ، بقدر ما هي تفعيل للسامعين ، وتحريك لنفوسهم ثم الانتقال بهم من حال التأثر إلى التغير والإصلاح .

الاستشهاد بالقصة:

لا يخفى أن اشتمال الخطبة على ضرب المثل ، وحكاية القصة من الواقع الاجتماعي للمخاطبين ، له أثر كبير في شد انتباههم ، وتحريك عاطفتهم ، ولكن لا يتأتى للخطيب هذا الصيد المؤثر إلا بصلته بالمجتمع والناس بفئاتهم المختلفة ، ولا يكفي أن يجلس في بيته ، وينزوي في مسجده ينتظر أن يأتوه بأسئلتهم وقضاياهم الاجتماعية المتعددة ، وبقدر صلة الخطيب الاجتماعية ، وعلاقاته المتنوعة يحصل لديه العديد من الحوادث الواقعية ، والقصص التي تصلح أن يضمنها بعض خطبه لما فيها من الفوائد ، والعبر ، وعوامل التأثير على الناس ، فإن هذه القصص والحوادث تتميز بما يلي:

1-أنها من واقع الناس ، فليست خيالية ، ولا هي من نسج الأوهام والخرافات ، وبالتالي فإن ما فيه عبرة وعظة من هذه القصص الوقائع ، يصلح للاقتداء والتطبيق ، فلا تصف في جملة المثاليات التي يصعب تحقيقها ، فإن بعض الناس إذا دعي إلى بعض القيم ، والأخلاق الإسلامية ، تذرع بأنها مثاليات لا تتحقق في الواقع ، أو أنه لا يمكن فعلها في عصرنا ، فذكر الخطيب لشيء من هذه القصص والأحداث والوقائع يزيل التصور الخاطئ في المجال العملي التطبيقي .

2-أن ذكر مثل هذه القصص الوقائع ، وتلمس الحلول للمشكلات يوجد حركة اجتماعيه ، ومحاورات ، وربما ألفت لجان لمتابعة هذه المشكلات ومعالجتها ، إذ يتكون لدى الكثير من المصلحين الحماس لمناقشة هذه القضايا بعد أن كانوا يتهيبون ذلك .

3-إيجاد قدر كبير من الغيرة ، والتفاعل ، والمشاعر الجماعية ، والشجاعة الأدبية ، عند كثير من الناس ، مما يوقظ المشاعر ، والتفكير الجماعي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت