فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم إن القرآن الكريم يؤكد أن الحفظ ، ونفى الشك والريبة إنما هو لكل القرآن ولجميع التنزيل ، وليس لبعض القرآن: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) (17) (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) (18) (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق ) (19) (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه ) (20) (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس ) (21) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه ) (22) . (ما فرطنا في الكتاب من شىء ) (23) .. ولو ضاع شىء من هذا الكتاب أى القرآن والتنزيل لحدث التفريط الذى تنفيه هذه الآية ، ولانتفت حجة الله على البشر (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ) (24) .. فحجة الله على الناس ـ بعد ختم الوحى القرآن الكريم ـ تنتفى وتسقط إذا حدث جهل بشىء مما أنزل في الكتاب ـ القرآن ـ: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ) (25) ولو أن القرآن ضاع منه شىء لتخلف وعد الله بتنزيل تبيان كل شىء فيه ، لتتم شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته: (ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدًا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) (26) .
وختم النبوة والرسالة ، يعنى انتفاء بعث رسول جديد ، ونزول كتاب جديد.. وحتى تقوم حُجة الله على عباده لابد من بقاء القرآن كله محفوظًا ، ليكون قيّما على الناس ، أى دائم القيام على هدايتهم وإرشادهم: (الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا ) (27) .
وإذا كان الكتاب هو كل القرآن ، فلقد وعد الله سبحانه بأن يحفظه ويورثه للذين اصطفاهم من عباده ، بعد أن أنزله على المصطفى من رسله ، وجمعه وقرأه: (والذى أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) (28) .
ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب عزيز ، أى منيع ، محفوظ من العبث به وفيه.. وأنه ممتنع عن الإبطال ، لا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه ، بأى حال من الأحوال: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) (29) . والذكر في هذه الآية هو كل الكتاب ، العزيز على أى عبث به وفيه..
ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه كتاب علىّ حكيم ، فوق تطاول المتطاولين ، بشرًا كانوا أو أزمنة ودهورًا: (إن جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم ) (30) .
ومن صفات القرآن ـ كل القرآن ـ أنه في كتاب مكنون: أى مصون ومحفوظ عن اللعب والعبث والتحريف (إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون ) (31) .
ولقد صدّق التاريخ على هذا الحفظ الإلهى لهذا القرآن المجيد.. ومن يقرأ تاريخ التوراة ـ حتى ذلك الذى كتبه علماء اليهودية ـ يعلم ما أصابها بعد سنوات من نزولها.. وكيف أعيدت كتابة أسفارها على النحو الذى صنعه"عزرا"وغيره من الأحبار ، في صورة مليئة بالتحريف.. ومن يتأمل تناقضات الأناجيل ـ حتى الشهيرة منها ـ والفروق الجوهرية بينها وبين غير الشهيرة ـ من مثل أناجيل"مخطوطات نجع حمادى"، و"مخطوطات البحر الميت"،"إنجيل برنابا"يعلم ما أصاب الإنجيل بعد سنوات معدودة من بعثة المسيح ـ عليه السلام ـ لكن.. ها هو القرآن الكريم كما نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين ، لم يتغير فيه حرف ولا رسم ولا حركة ولا غُنّة ولا مدّ وقد مضى على نزوله أكثر من أربعة عشر قرنًا مرت فيها أمته بأطوار من التراجع والانحطاط ، وفقدت فيها الذاكرة الإسلامية ملايين المخطوطات التى أبادتها غزوات الطغاة ، واندثرت فيها مذاهب وفلسفات.. وظل القرآن الكريم عزيزًا منيعًا محفوظًا بحفظ الله خير الحافظين.. فالتاريخ ـ هو الآخر ـ قد غدا شاهدًا على هذا الحفظ الإلهى لكل القرآن الكريم..
فبرهان العقل ـ المتعلق بختم الرسالة.. وختم الوحى ـ يجعل حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ لإقامة الحجة على الناس ـ ضرورة عقلية.
وكذلك النقل المتكرر في القرآن ـ بلفظ القرآن.. والكتاب.. والتنزيل.. والذكر.. ـ شاهد هو الآخر على الحفظ الإلهى لكل حرف وكل كلمة وكل آية وكل سورة من هذا القرآن الكريم.. فهو وحى الله الخاتم.. تعهد سبحانه وتعالى بجمعه وحفظه ، وحجة خالدة ، كى لا يكون للناس على الله حجة إذا ما ضاع شىء من هذا التنزيل العزيز المنيع الحكيم.