فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقبل ختم النبوة والرسالة ، كانت مهمة حفظ كتب الرسالات والشرائع موكولة إلى أمم هذه الرسالات كجزء من التكليف لهم والاختبار لاستقامتهم في هذا التكليف: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتى ثمنًا قليلًا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (4) .لكنهم فرطوا في القيام بتكليف الحفظ للكتب بالنسيان حينًا وبالتحريف والإخفاء حينًا آخر: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكَلِمَ عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلًا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون * يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) (5) .
وعندما كانوا يحرفون هذه الكتب ، أو ينسون بعضها ويخفون البعض الآخر ، كان الله يبعث رسولًا جديدًا بكتاب جديد..
أما عندما أراد الله ـ سبحانه وتعالى ـ مع بلوغ الإنسانية سن الرشد ـ ختم النبوات والرسالات بنبوة ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان لابد لحفظ كتاب الشريعة الخاتمة من حافظ لا يجوز عليه الإهمال ، ولا يتأتى منه التحريف ، ولا يليق به النسيان.. أى كان لابد من الحفظ المعصوم الدائم للكتاب المعجز الخالد. لأن ترك حفظ الكتاب الخاتم للبشر ، الذين يجوز عليهم الإهمال والتحريف والنسيان معناه طروء وحدوث التحريف والضياع لهذا الكتاب ، حيث لا وحى سيأتى ولا رسول سيبعث ولا كتاب سينزل.. الأمر الذى لو حدث ـ افتراضًا ـ سيضل الناس ولا رعاية لهم ، ولا حُجة عليهم ، تجعل من حسابهم وجزائهم عدلًا إلهيًا مناسبًا.
ولذلك ، انتقلت مهمة حفظ الوحى الخاتم ـ القرآن الكريم ـ في الرسالة الخاتمة إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ الذى لا يتخلف حفظه أبدًا ، بعد أن كانت هذه المهمة في الرسالات السابقة ، استحفاظًا من الله للناس ، أى طلبًا منه لهم أن يحفظوا ما أنزل عليهم من الكتاب. فكان الوعد الإلهى المؤكد: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (6) .
ولذلك هيأ الله لتدوين القرآن الكريم من كتبة الوحى ما لم يتهيأ لكتاب سابق.. وجعل جمعه وعدًا إلهيًا وإنجازًا ربانيًا: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ) (7) . فكان الحفظ للقرآن ـ كل القرآن ـ وعدًا إلهيًّا. وإنجازًا ربانيًا ، وذلك حتى تستمر حجة الله على عباده ، ويكون حسابه لهم عدلًا خالصًا.
ولم يقل أحد ، ولا جائز في العقل ـ فضلًا عن النقل ـ أن يقال: إن الذكر ، الذى تعهد الله بحفظه ، هو بعض القرآن ، وليس كل القرآن.. لأن ضياع أى جزء من القرآن إنما يعنى تخلف رعاية الله لخلقه ، وسقوط حُجته على عباده.. ثم إن القرآن لا يقف بالحفظ عندما يطلق عليه الذكر ، فضلًا عن أن مصطلح الذكر إنما يشمل كل القرآن.. تشهد على ذلك الآيات الكثيرة في كتاب الله.. فالمراد بالذكر القرآن.. كل القرآن.. والكتاب.. كل الكتاب ـ وليس بعضه ـ بدليل قول الله سبحانه وتعالى: (فاسألوا أهل الذكر ) (8) ، أى أهل الكتب السابقة.. والله يشير إلى القرآن والتنزيل ـ أى كل ما نزل به الوحى ـ بلفظ الذكر (أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ) (9) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزِل عليه الذكر إنك لمجنون ) (10) ، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزّل إليهم ولعلهم يتفكرون ) (11) ، (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ) (12) ، (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) (13) ، (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين ) (14) . والذكر هو كل ما جاء به الوحى ، فالوحى هو الذكر (فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تُسألون ) (15) . بل إن سياق آية (إنا نحن نزلنا الذكر (شاهد على أن الذكر والقرآن والكتاب هو الوحى(آلر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ) (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم) ، (وقالوا يا أيها الذى نُزل عليه الذكر إنك لمجنون (،(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) (16) .