فهرس الكتاب

الصفحة 1106 من 4557

أما اللون الثانى من تعدد المصاحف عندنا فهو مصاحف الأفراد التى كتبت بعد جمع القرآن لأول مرة في عهد أبى بكر ، أو كتبت قبله ، قيل:إن عثمان جمع هذه المصاحف وحرقها. وقيل إنه لم يحرقها بل استبعد غير الصحيح منها. ومنها مصحف ابن مسعود لخلاف غير كبير بينه وبين المصحف الإمام.

ثم تعددت نسخ المصحف بعد ذلك ، باتساع الأقطار الإسلامية ، ومع هذا التعدد فإن النصوص الموحى بها من الله عز وجل واحدة في جميع المصاحف في العالم الإسلامى كله.

أما ما استحدث من إضافات فهى إجراءات خارجية لا صلة لها بالنصوص المنزلة. وكل المصاحف كانت تكرارًا لمصحف عثمان ، الذى جمع عليه الأمة ، وأعدم أو استبعد ما عداه من مصاحف الأفراد ، لأن العمل الفردى عرضة للخطأ والسهو أو النسيان.

"وإذا كان إعدام هذه المخطوطات الفردية يبدو فيه شىء من القسوة في الوقت الذى لم يوجد فيه بالفعل أى تحريف على الإطلاق ، فإنه يدل مع ذلك على أن عثمان كان بعيد النظر ، وعميقًا في إدراك حقيقة الأمور ، ويرجع فضل تمتع المسلمين اليوم بوحدة كتابهم واستقراره إلى هذا العمل المجيد من جانب عثمان."

ومهما أضيف إلى المصحف العثمانى من علامات خارجية ابتكرها أبو الأسود الدؤلى وأتباعه ، ونصر بن عاصم ويحيى بن يعمر ، والحسن البصرى ، والخليل بن أحمد فإن النص (الإلهى) باق كما هو على الدوام ، يتحدى فعل الزمن ، ووجود بعض الحروف الزائدة (لحكمة) أو الكلمات المدغمة التى اقتصرت على كتابة المصحف في جميع نسخ القرآن إلى اليوم ، المطبوع منها والمخطوط ، يُعد شهادة بليغة على الأمانة التى انتقل بها البناء القرآنى من جيل إلى جيل ، حتى وصل إلينا بهذا الكمال المنقطع النظير (1) .

فإن قالوا: إن بعض المصاحف تختلف في عدد سور القرآن من أربع عشرة ومائة سورة ، إلى اثنتى عشرة ومائة سورة ، إلى ست عشرة ومائة سورة (2) .

وكذلك تختلف المصاحف في عدِّ آيات القرآن كله ، وفى كلماته وعدد حروفه. فكيف تقولون إن تعدد المصاحف عندكم كائن على صورة واحدة. وإن كل مصحف تكرار لما عداه من مصاحف ؟

إن قالوا هذا قلنا لهم ، إن الاختلاف في هذه الأعداد كلها لا يخرج"المصاحف"عن الوحدة والتطابق التام بينها ؛ لأن النصوص الموحى بها من الله عز وجل إلى خاتم رسله واحدة في جميع المصاحف ، فمثلًا من قال إن عدد سور القرآن ثلاث عشرة ومائة سورة اعتبر سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة ؛ لإنهما لم يفصل بينهما ب"بسم الله الرحمن الرحيم"، وكذلك الاختلاف في عدد آيات القرآن الكريم مرجعه جَعْل آيتين آية واحدة ، وهكذا. وسواء عدت الآيتان آية واحدة ، أو عدتا آيتين فنصهما موجود في المصحف الشريف. والاختلاف في العدد لا مساس فيه بالمعدود ، وهو النصوص التى نزل بها الوحى الأمين. فالنصوص مسطورة في المصحف ، أما تعدادها فأمر اعتبارى خارج عنها ، ووصف عارض طارئ عليها. فالإصابة والخطأ فيه لا ينعكس بأى حال على حقيقة النصوص المذكورة

فى المصحف وإن قالوا: إن الشيعة يقولون إن عثمان رضى الله عنه حذف من القرآن شيئًا يتعلق بعلى بن أبى طالب رضى الله عنه ، وبعضهم يذكر سورة باسم"سورة النورين"كانت مما نزل في القرآن واستبعدها عثمان عند جمع المصحف. وهذا يُعد تعديلًا في النصوص الموحى بها فكيف تقولون إن القرآن لم يمس ، وإن المصاحف متطابقة تمامًا ؟.

إن قالوا ذلك وهم قد قالوه فعلًا فإننا نقول لهم: إن كان هذا القول قد حدث من بعض الشيعة فالشيعة كان منهم غلاة دخلاء على التشيع ، وقد انقرضوا من الوجود الآن.

ومما يدفع هذه الفرية عن عثمان رضى الله عنه ، أن التشيع في خلافته كان خافتًا ، بل وفى دور النشأة ، وعلى يد عبد الله بن سبأ ، الذى كان المسلمون يطلقون عليه: ابن السوداء وهو يهودى حاقد على الإسلام. ومولد التشيع كان بعد حادثة التحكيم بين علىّ رضى الله عنه ومعاوية بن أبى سفيان رضى الله عنه.

ومعنى هذا أن الحاجة إلى غمط حق علىّ رضى الله عنه لم يكن لها وجود في خلافة عثمان. فما الذى يحمل عثمان إذن على غمط حقه وهب أن ذلك حدث منه فهل كان حُفاظ القرآن من الصحابة سيتركونه يعبث بكتاب الله ، والأهم من هذا أن عليًا نفسه رضى الله عنه أثنى على ما قام به عثمان من جمع القرآن ، وكذلك كل أصحاب رسول الله الذين كانوا أحياء في خلافة عثمان (3) .

ومهما يكن من أمر ، فإن هذا المصحف (العثمانى) هو الوحيد المتداول في العالم الإسلامى بما فيه من فرق الشيعة ، منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان ، ونذكر هنا رأى الشيعة الإمامية (أهم فرق الشيعة) كما ورد بكتاب أبى جعفر"الأم":

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت