فهرس الكتاب

الصفحة 1993 من 4557

وللمفسرين أقوال في تفسير هذا الحكم السابق في علم الله - تعالى -: فمنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب المخطئ في اجتهاده .

وقد صرد صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال قوله: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } . اى: لولا حكم منه سبق إثباته في اللوح المحفوظ ، وهو أنه - سبحانه - لا يعاقب أحدًا بخطأ ، وكان هذا خطأ في الاجتهاد ، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببًا في إسلامهم وتوبتهم وأن فداءهم يتقوى بهم على الجهاد في سبيل الله ، وخفى عليهم أن قتلهم أعز للإِسلام وأهيب لمن وراءهم ، وأقل لشوكتهم . .

ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذب قومًا إلا بعد تقديم النهى عن الفعل ولم يتقدم نهى عن أخذ الفداء .

ومنهم من يرى أن المراد به أنه - سبحانه - لا يعذبهم ما دام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم .

أو أنه - سبحانه - لا يعذب أحدًا ممن شهد بدرًا .

وقد ساق الإِمام الرازى هذه الأقوال وناقشها ثم اختار أن المراد بالكتاب الذى سبق: هو حكمه - سبحانه - في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة ، لأنه كتب على نفسه الرحمة . وسبقت رحمته غضبه .

أما الإِمام ابن جرير فهو يرى: أن الاية خبر عام محصور على معنى دون معنى ، وأنه لا وجه لأن يخص من ذلك معنى دون معنى . . فقال: يقول الهل - تعالى - لأهل بدر الذين أخذوا من الأسرى الفداء { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } .

أى: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ أن الله يحل لكم الغنيمة ، وأن الهل قضى أنه لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ، وأنه لا يعذب أحدًا شهد هذا المشهد الذى شهدتموه ببدر . . لولا كل ذلك لنالكم من الله بأخذكم الفداء عذاب عظيم .

ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير - من أن الآية خبر عام يشمل كل هذه المعانى - أولى بالقبول ، لأنه لم يوجد نص صحيح عن النبى - صلى الله عليه وسلم - يحدد تفسيره المراد من هذا الكتاب السابق في علمه - تعالى - .

ولعل الحكمة في هذا الإبهام لتذهب الأفهام فيه إلى كل ما يحتمله اللفظ ، ويدل عليه المقام ، ولكى يعرفوا أن أهذهم الفداء كان ذنبًا يستحقون العقوبة عليه لولا أن الله - تعالى - قدر في الأزل العقو عنهم بسبب وجود النبى - صلى الله عليه وسلم - فيهم ، ولأنهم قد أخطأوا في اجتهادهم ، ولأنهم لم يتقدم لهم نهى عن ذلك ، ولأنهم قد شهدوا هذه الغزوة التى قال الرسول في شأن من حضرها على لسان ربه - عز وجل -:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".

فقد روى الشيخان وغيرهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعرم في قصة حاطب بن أبى بلتعة عند ما أخبر المشركين بأن الرسول سيغزوهم قبل فتح مكة وكان حاطب قد شهد بدرًا: " وما يدريك لعل الله - تعالى - اطلع على أهل بدر وقال:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"."

والمعنى الإجمالى للآية الكريمة: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } أى: لولا حكم من الله - تعالى - سبق منه في الأزل ألا يعذب المخطئ على اجتهاده أو ألا يعذب قومًا قبل تقديم البيان إليهم . . . ولولا كل ذلك { لَمَسَّكُمْ } أى لأصابكم { فِيمَآ أَخَذْتُمْ } أى بسبب ما أخذتم من الفداء قبل أن تؤمروا به { عَذَابٌ عَظِيمٌ } لا يقادر قدره في شدته وألمه .

قال ابن جرير: قال ابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن نصر إلا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب ، جعل لا يلقى أسيرًا إلا ضرب عنقه وقال: يا رسول الله مالنا وللغنائم؟ نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك".

وقال ابن اسحاق: لما نزلت { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ } الآية . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ لقوله: يا نبى الله ، كان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال".

وقال بعض العلماء: قال القاضى ، وفى الآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون ، وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه .

ثم زاد - سبحانه - المؤمنين فضلا ومنه فقال: { فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

قال الآلوسى روى أنه لما نزلت الآية الأولى { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى . . . } كف الصحابة أيديهم عما أخوا من الفداء فنزلت هذه الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت