فهرس الكتاب

الصفحة 1992 من 4557

وقال ابن إسحاق - وهو يحكى أخبار غزوة بدر -:"فلما وضع القوم أيدهم يأسرون ورسوله الله - صلى الله عليه وسلم - في العريش ، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوشحًا السيف ، في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ، يخافون عليه الكرة . ورأى رسول الله - فيما ذكر لى - في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"والله لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم"؟ فقال: أجل والله يا رسول الله: كانت هذه أول وقعة أوقعها الله بأهل الشكر ، فكان الإِثخان في القتل أحب إلى من استبقاء الرجال".

قوله: { أسرى } : جمع أسير كقتلى جمع قتيل . وهو مأخوذ من الأسر بمعنى الشد بالإِسار أى: القيد به حتى لا يهرب ، ثم صار لفظ الأسير يطلق على كل من يؤخذ من فتنة في الحرب ، ولو لم يشد بالإِسار .

وقوله { يُثْخِنَ } من الثخانة وهى في الأصل الغلظ والصلابة . يقال: ثخن الشيئ يثخن ثخونة وثخانة وثخنا ، أى: غلظ وصلب فهو ثخين ، ثم استعمل في النكاية والمبالغة في قتل العدو فقيل: أثخن فلان في عدوه . أى: بالغ في قتله وإنزال الجراحة الشديدة به ، لأنه بذلك بمنعه من الحركة فيصير كالثخين الذى لا يسيل ولا يتحرك .

والمراد بالنبى في قوله { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ } : نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما جئ باللفظ منكرًا تلطفًا به - صلى الله عليه وسلم - حتى لا يواجه بالعتاب .

والمعنى: ما صح وما استقام لنبى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام { أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } من أعدائه الذين يريدون به وبدعوته شرًا { حتى يُثْخِنَ فِي الأرض } أى: حتى يبالغ في قتلهم ، وإنزاله الضربات الشديدة عليهم إذلالًا للكفر وإعزازا لدين الله .

وقوله: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الآخرة } استئناف مسوق للعتاب .

والعرض: ما لا ثبات له ولا دوام من الأشياء ، فكأنها تعرض ثم تزول ، والمراد بعرض الدنيا هنا: الفداء الذى أخذوه من أسرى غزوة بدر حتى يطلقوا سراحهم .

تريدون - أيها المؤمنون - بأخذكم الفداء من أعدائكم الأسرى عرض الدنيا ومتاعها الزائل ، وحطامها الذى لا ثبات له ، والله - تعالى - يريد لكم ثواب الآخرة .

فالكلام في قوله: { والله يُرِيدُ الآخرة } على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والإِرادة هنا بمعنى الرضا أى: والله - تعالى - يرضى لكم العمل الذى يجعلكم تظفرون بثوابه في الآخرة ، وهو تفضيل إذلال الشرك على أخذ الفداء من أهله .

وقوله: { والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أى: والله - تعالى - { عَزِيزٌ } لا يغالب بل هو الغالب على أمره { حَكِيمٌ } فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه .

فالآية الكريمة تعتب على المؤمنين ، لأنهم آثروا الفداء على القتال والإِثخان في الأرض ، وذلك لأن غزوة بدر كانت أول معركة حاسمة بين الشرك والإيمان ، وكان المسلمون فيها قلة والمشركون كثرة ، فلو أن المسلمين آثروا المبالغة في إذلال أعدائهم عن طريق القتل لكان ذلك أدعى لكسر شوكة الشرك وأهله ، وأظهر في إذلال قريش وحلفهائها ، وأصرح في بيان أن العمل على إعلاء كلمة الله كان عند المؤمنين فوق متع الدنيا واعرضها ، وأنهم لا يوادون من حارب الله ورسوله مهما بلغت درجة قرابته ، وهذا ما عبر عنه عمر - رضى الله عنه - بقوله:"وحتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين".

والخلاصة أن غزوة بدر - بظروها وملابساتها التى سبق أن أشرنا إليها - كان الأولى بالمسلمين فيها أن يبالغوا في قتل أعدائهم لا أن يقبلوا منهم فداء حتى يذلوها ويعجزوهم عن معاودة الكرة .

ورضى الله - تعالى - عن"سعد بن معاذ"فقد هرت الكراهية على وجهه بسبب أخذ الفداء من الأسرى ، وقال - كما سبق أن بينا -:"كانت غزوة بدر - أول وقعة أوفعها الله بأهل الشرك ، فكان الإِثخان في القتل أحب إلىّ من استبقاء الرجال".

قال الفخر الرازى: قال ابن عباس: هذا الحكم إنما كان يوم بدر ، لأن المسلمين كانوا قليلين ، فلما كثروا وقوى سلطانهم أنزل الله بعد ذلك في الأسارى { حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } ثم قال الرازى: وأقول: إن هذا الكلام يوهم أن قوله { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً } يزيد على حكم الآية التى نحن في تفسيرها: وليس الأمر كذلك ، لأن الآيتين متوافقتان ، فإن كلتيهما تدل على أنه لا بد من تقديم الإِثخان ثم بعده أخذ الفداء .

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض مظاهر رحمته بالمؤمنين: { لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .

والمراد بالكتابه هنا: الحكم ، وأطلق عليه كتاب لأن هذا الحكم مكتوب في اللوح المحفوظ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت