فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
-والمتشابه من جهة المعنى يُمثَّل له بأوصاف القيامة وأحوالها مما لا نستطيع تصوره؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإن العقل البشري لا يمكن أن يحيط بحقائق أحوال وأهوال القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار، وكيف السبيل إلى أن يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، وما لم يكن فينا مثله ولا جنسه.
-والمتشابه من جهة اللفظ والمعنى معًا على أنواع، لن نقف على تفصيلها هنا، وحسبنا أن نمثل لهذا النوع من المتشابه بقوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر } (التوبة:37) فإن من لا يعرف عادة العرب في جاهليتهم وما كانوا عليه، فإنه يتعذر عليه تفسير هذه الآية ومعرفة المراد منها .
ولا بد من الوقوف في هذا المقام عند مسألة طالما بحثها العلماء، تتعلق بقوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } (آل عمران:7) ومنشأ النظر في هذه الآية منصب على قوله تعالى: { والراسخون في العلم } هل هو كلام مبتدأ ومستأنَف، أم هو معطوف على قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } ومعلوم أن الوقف والابتداء في القرآن، له دور مهم وأساس في تحديد معنى الآية، وبيان وجهتها ومقصدها .
وحسبنا في هذا المقام أن نعلم أن المفسرين قد ذهبوا في تفسير الآية مذهبين: الأول يرى أن الوقف يكون على قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } ، وبالتالي فإن قوله تعالى: { والراسخون في العلم } كلام مبتدأ ومستأنف، والمعنى على هذا: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يؤمنون به كما جاء، ويكِلُون علمه إلى الله سبحانه .
وقد أيَّد أصحاب هذا المذهب ما ذهبوا إليه، بما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: تلا رسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } (آل عمران:7) قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّى الله، فاحذرهم ) .
أما المذهب الثاني، فيرى أن قوله تعالى: { والراسخون في العلم } معطوف على قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله } وعلى هذا يكون تفسير الآية: أن الراسخين في العلم يعلمون تفسير المتشابه من القرآن. وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم، الذين يعلمون تأويله. ولقد صدق رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، فقال: ( اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ) رواه أحمد . قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أقفه عند كل آية، وأسأله عنها. وقد تواترت النقول عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله. وقد صحح الإمام النووي هذا القول، مستدلًا على صحته، بأنه يبعد أن يخاطب سبحانه عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته .
والحق، فإنه لا يوجد تعارض بين هذين المذهبين، والتوفيق بينهما أمر ممكن ومتيسر، وذلك إذا علمنا المقصود من لفظ ( التأويل ) الوارد في قوله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله } . وبالرجوع إلى معنى ( التأويل ) يتبين لنا أن هذا اللفظ يُطلق على معنيين:
الأول: ( التأويل ) بمعنى التفسير، فتأويل الكلام تفسيره، وتوضيح معناه. والتأويل في كلام كثير من المفسرين، وخاصة المتقدمين منهم كـ ابن جرير الطبري وغيره، يُطلق بهذا المعنى، وهم يريدون به تفسير الكلام، وبيان معناه؛ فهو إذن اصطلاح معروف ومشهور عند أهل التفسير .
و ( التأويل ) في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدلالة توجب ذلك. وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه. فالتأويل الصحيح منه ما وافق نصوص الكتاب والسنة ولم يخالفها. والتأويل الفاسد منه ما خالف ذلك .
والمعنى الثاني من معاني ( التأويل ) يأتي بمعنى: الحقيقة، فتأويل الكلام، الحقيقة التي يؤول إليها. وعلى هذا المعنى جاء قول عائشة رضي الله عنها: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي ، يتأوَّل القرآن ) تعني قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك واستغفره } (النصر:3) رواه البخاري و مسلم .
وبناءً على ذلك، نستطيع أن نقول: إن الذين ذهبوا إلى حصر علم التأويل في حقِّ الله تعالى، إنما يقصدون بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي: الحقيقة التي يؤول إليها الغيب، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان؛ لأن حقيقة الغيب لا يعلمها إلا الله .
أما الذين ذهبوا إلى أنه يمكن للعلماء العلم بالتأويل، فإنهم يقصدون بذلك التأويل بالمعنى الأول، أي: معنى التفسير، وهذا أيضًا لا يختلف فيه اثنان .