فهرس الكتاب

الصفحة 1128 من 4557

ولما تقادم الزمن على نزول القرآن ، وضعف المحصول اللغوى عند الأجيال اللاحقة ، قام بعض العلماء المتأخرين ـ مثل: الراغب الأصفهانى ، صاحب كتاب"مفردات القرآن"، وجلال الدين السيوطى ، صاحب كتاب"مبهمات القرآن"ـ بوضع كتب تقرب كتاب الله إلى الفهم ، وتقدم بيان بعض المفردات التى غابت معانيها واستعمالاتها عن الأجيال المتأخرة.

وهذا يسلمنا إلى حقيقة لاحت في الأفق من قبل ، نعيد ذكرها هنا في الآتى:

إن ما يطلق عليه"غريب القرآن"فى بعض المؤلفات التراثية ومنها كتب علوم القرآن ، وما تناوله مفسرو القرآن الكريم في تفاسيرهم ، هو غريب نسبى لا مطلق ، غريب نسبى باعتبار أنه مستعار من لغات أخرى غير اللغة العربية ، أو من لهجات عربية غير لهجة قريش التى بها نزل القرآن وغريب نسبى باعتبار البيئات التى دخلها الإسلام ، وأبناؤها دخلاء على اللغة العربية ، لأن لهم لغاتٍ يتحدثون بها قبل دخولهم في الإسلام ، وظلت تلك اللغات سائدة فيهم بعد دخولهم في الإسلام وغريب نسبى باعتبار الأزمان ، حتى في البيئات العربية ، لأن الأجيال المتأخرة زمنًا ضعفت صلتهم باللغة العربية الفصحى مفردات وتراكيب. وكل هذه الطوائف كانت ، وما تزال ، في أمس الحاجة إلى ما يعينهم على فهم القرآن ، وتذوق معانيه ، والمدخل الرئيس لتذوق معانى القرآن هو فهم معانى مفرداته ، وبعض أساليبه.

والغريب النسبى بكل الاعتبارات المتقدمة غريب فصيح سائغ ، وليس غريبًا عديم المعنى ، أو لا وجود له في معاجم اللغة ومصادرها ، وهذا موضع إجماع بين علماء اللغة والبيان ، في كل عصر ومصر. ولا وزن لقول من يزعم غير هذا من الكارهين لما أنزل الله على خاتم أنبيائه ورسله.

مسائل ابن الأزرق

بقى أمر مهم ، له كبير صلة بموضوع"الغريب"فى القرآن ذلك الأمر هو ما عرف في كتب الأقدمين بـ"مسائل ابن الأزرق"ونوجز القول عنها هنا إيجازًا يكشف عن دورها في الانتصارللحق ، في مواجهة مثيرى هذه الشبهات ومسائل ابن الأزرق مسطورة في كثير من كتب التراث مثل ابن الأنبارى في كتابه"الوقف"والطبرانى في كتابه"المعجم الكبير"والمبرد في كتابه"الكامل". وجلال الدين السيوطى في كتابه"الإتقان في علوم القرآن"وغيرهم.

ولهذه المسائل قصة إيجازها: أن عبد الله بن عباس كان جالسًا بجوار الكعبة يفسر القرآن الكريم ، فأبصره رجلان هما: نافع بن الأزرق ، ونجدة بن عويمر ، فقال نافع لنجدة"قم بنا إلى هذا الذى يجترئ على القرآن ويفسره بما لا علم له به. فقاما إليه فقالا له:"

إنَّا نريد أن نسألك عن أشياء في كتاب الله ، فتفسرها لنا ، وتأتينا بما يصادقه من كلام العرب. فإن الله أنزل القرآن بلسان عربى مبين.

فقال ابن عباس: سلانى عما بدا لكما. ثم أخذا يسألانه وهو يجيب بلا توقف ، مستشهدًا في إجاباته على كل كلمة ،"قرآنية"سألاه عنها بما يحفظه من الشعر العربى المأثور عن شعراء الجاهلية ، ليبين للسائلين أن القرآن نزل بلسان عربى مبين.

وكان الإمام جلال الدين السيوطى قد جمع هذه المسائل وذكر منها مائة وثمانٍ وثمانين كلمة ، وقد حرص على ذكر إجابات ابن عباس عليها رضى الله عنه ، وقال: إنه أهمل نحو أربع عشرة كلمة من مجموع ما سئل عنه ابن عباس (2) .

وها نحن أولاء نورد نماذج منها ، قبل التعليق عليها ، ولماذا أشرنا إليها في مواجهة هذه

الشبهة التى تزعم أن ألفاظ الكتاب العزيز"غريبة"وغير مفهومة.

النموذج الأول:"عزين"

قال نافع بن الأزرق لابن عباس:

أخبرنى عن قوله تعالى: (عن اليمين وعن الشمال عزين) (3) .

قال ابن عباس: عزين: الحلق من الرفاق. فسأله نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟

فقال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عبيد بن الأبرص:

فجاءوا يُهرعون إليه حتى ... يكونوا حول منسره عزينا

يعنى جماعات يلتفون حول الرسول (، وهو مشتق من الاعتزاء ، أى ينضم بعضهم إلى بعض ، قال الراغب في المفردات: العزين: الجماعة المنتسب بعضها إلى بعض(4) .

النموذج الثانى:"الوسيلة"

قال نافع: أخبرنى عن قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) (5) . قال ابن عباس: الوسيلة: الحاجة ، قال نافع: وهل تعرف العرب ذلك ؟

قال ابن عباس: نعم ، أما سمعت قول عنترة:

إن الرجال لهم إليك وسيلة

أن يأخذوك تكحلى وتخضبى

يعنى: اطلبوا من الله حاجاتكم. واستعمال الوسيلة في معنى الحاجة كما فسرها ابن عباس فيها إلماح أن طريق قضاء الحوائج يكون إلى الله ؛ لإن معنى الوسيلة: الطريق الموصل إلى الغايات.

النموذج الثالث:"شرعةً ومنهاجًا"

وسأله نافع عن الشرعة والمنهاج في قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا ) (6) . فقال ابن عباس: الشرعة: الدين ، والمنهاج: الطريق ، واستشهد بقول أبى سفيان الحارث بن عبد المطلب:

لقد نطق المأمون بالصدق والهدى

وبين للإسلام دينًا ومنهجًا.

النموذج الرابع:"ريشًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت