فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 4557

ورابعتها: أن المقابلة بين"العقل"و"النقل"هى أثر من آثار الثنائيات المتناقضة التى تميزت بها المسيرة الفكرية للحضارة الغربية ، تلك التى عرفت لاهُوتًا كنسيًا - نقلًا - لا عقلانيًا ، فجاءت عقلانيتها ، في عصر النهضة والتنوير الوضعى العلمانى ، ثورة على النقل اللاعقلانى ونقضًا له.. أما في الإسلام ، والمسيرة الفكرية لحضارته وأمته - وخاصة في عصر الازدهار والإبداع - فإن النقل لم يكن أبدًا مقابلًا للعقل ، لأن المقابل للعقل هو الجنون ، وليس النقل.. ولأن النقل الإسلامى - القرآن الكريم - هو مصدر العقلانية المؤمنة ، والباعث عليها ، والداعى لاستخدام العقل والتفكر والتدبر في آيات الله المنظورة والمسطورة جميعًا.. وآيات القرآن التى تحض على العقل والتعقل تبلغ تسعًا وأربعين آية.. والآيات التى تتحدث عن"اللُّب"- بمعنى عقل وجوهر الإنسان - هى ست عشرة آية. كما يتحدث القرآن عن"النُّهى"- بمعنى العقل - في آيتين.. وعن الفكر والتفكر في ثمانية عشر موضعًا.. وعن الفقه والتفقه - بمعنى العقل والتعقل - في عشرين موضعًا.. وعن"التدبر"فى أربع آيات.. وعن"الاعتبار"فى سبع آيات.. وعن"الحكمة"فى تسع عشرة آية.. وعن"القلب"كأداة للفقه والعقل - في مائة واثنين وثلاثين موضعًا.. ناهيك عن آيات العلم والتعلم والعلماء التى تبلغ في القرآن أكثر من ثمانمائة آية.. فالنقل الإسلامى - أى الشرع الإلهى - هو الداعى للتعقل والتدبر والتفقه والتعلّم.. والعقل الإنسانى هو أداة فقه الشرع ، وشرط ومناط التدين بهذا الشرع الإلهى.. ولذلك لا أثر للشرع بدون العقل ، كما أنه لا غنى للعقل عن الشرع ، وخاصة فيما لا يستقل العقل بإدراكه من أمور الغيب وأحكام الدين.

ذلك أن العقل ، مهما بلغ من العظمة والتألق في الحكمة والإبداع ، هو ملكة من ملكات الإنسان ، وكل ملكات الإنسان - بالخبرة التاريخية والمعاصرة - هى نسبة الإدراك والقدرات ، تجهل اليوم ما تعلمه غدًا ، وما يقصر عنه عقل الواحد يبلغه عقل الآخر.. وإذا كانت ميادين عالم الشهادة - النفس والكون..

أى الدنيا.. مفتوحة على مصاريعها أمام العقل وأمام التجربة - بالنسبة للإنسان - فإن هناك ميادين - وخاصة في معارف عالم الغيب - سبيل معرفتها النقل - أى الوحى - والوجدان - القلب والإلهام - فالهدايات التى يهتدى بها الإنسان هى"العقل"و"النقل"و"التجربة"و"الوجدان".. وليست العقل وحده دون سواه.. وبتنوع الهدايات وسبل المعرفة الإنسانية ، مع تنوع مصادر المعرفة الإنسانية - الوحى وآيات الله المسطورة ، مع الكون وآيات الله المنظورة - تتكامل وتتوازن المعرفة الإنسانية - وهذه هى نظرية المعرفة الإسلامية - بينما يختل توازن هذه المعرفة إذا هى وقفت - في المصادر - عند الكون وعالم الشهادة وحده - وفى الوسائل وإدراك المعرفة عند العقل وحده ، أو العقل والتجربة وحدهما ، دون النقل والوجدان.. ولقد عبر عن هذا التكامل والتوازن في - نظرية المعرفة الإسلامية الإمام محمد عبده عندما تحدث - في تفسيره لآية (اهدنا الصراط المستقيم) - من سورة الفاتحة - عن"الهدايات الأربع"- العقل ، والنقل ، والتجربة ، والوجدان كما عبر عن التلازم الضرورى بين العقل والنقل ، لتكامل المعرفة الإسلامية عندما قال:".. فالعقل هو ينبوع اليقين في الإيمان بالله ، وعلمه وقدرته ، والتصديق بالرسالة.. أما النقل ، فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب ، كأحوال الآخرة والعبادات.. والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الإسلامُ الناس إلى النظر فيه بعقولهم.. فهو معجزة عُرضت على العقل ، وعرفته القاضى فيها ، وأطلقت له حق النظر في أنحائها ، ونشر ما انطوى في أثنائها.. وإذا قدّرنا عقل البشر قدره ، وجدنا غاية ما ينتهى إليه كماله إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التى تقع تحت الإدراك الإنسانى.. أما الوصول إلى كنه حقيقته فمما لا تبلغه قوته.. ومن أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده.. لهذا كان العقل محتاجًا إلى مُعين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة.." (2) .

فالإسلام لا يعرف - على الإطلاق - هذه الثنائية المتناقضة بين العقل والنقل.. وصريح المعقول لا يمكن أن يتعارض مع صحيح المنقول.. ولقد عبر الإمام محمد عبده عن ما قد يتوهمه البعض تعارضًا عندما صاغ حقيقة هذه القضية فقال:"لقد تقرر بين المسلمين أن الدين إن جاء بشىء قد يعلو على الفهم ، فلا يمكن أن يأتى بما يستحيل عند العقل.." (3) .. ففارق بين ما يعلو على إدراك العقل ، من بعض أمور الدين ، وبين ما يستحيل في العقل الذى برئ ويبرأ منه الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت