ونريد هنا أن نضع المسألة في حقيقتها التاريخية والاجتماعية والنفسية ، بعيدًا عن الغبار الذي يثيره هؤلاء وأولئك ، فإذا حصلنا على حقيقة موضوعية فلا علينا حينئذ من دعاوي المنحرفين ، و"العلماء"المزيفين !
نحن ننظر اليوم إلى الرق في ظروف القرن العشرين ، وننظر إله في ضوء الشناعات التي ارتكبت في عالم النخاسة ، والمعاملة الوحشية البشعة التي سجلها التاريخ في العالم الروماني خاصة ، فنستفظع الرق ، ولا تطيق مشاعرنا أن يكون هذا اللون من المعاملة أمرًا مشروعًا يقره دين أو نظام . ثم تغلب علينا انفعالات الاستبشاع والاستنكار فنعجب كيف أباح الإسلام الرق ، وكل توجيهاته وتشريعاته كانت ترمي إلى تحرير البشر من العبودية في جميع ألوانها وأشكالها ، ونتمنى في حرارة الانفعال أن لو كان الإسلام قد أراح قلوبنا وعقولنا فنص على تحريمه بالقول الصريح .
وهنا وقفة عند حقائق التاريخ . ففظائع الرق الروماني في العالم القديم لم يعرفها قط تاريخ الإسلام ، ومراجعة بسيطة للحالة التي كان يعيش عليها الأرقاء في الإمبراطورية الرومانية ، كفيلة بأن ترينا النقلة الهائلة التي نقلها الإسلام للرقيق ، حتى لو لم يكن عمل على تحريره - وهذا غير صحيح !
كان الرقيق في عرف الرومان"شيئا"لا بشرا . شيئا لا حقوق له البتة ، وإن كان عليه كل ثقيل من الواجبات . ولنعلم أولا من أين كان يأتي هذا الرقيق . كان يأتي من طريق الغزو . ولم يكن هذا الغزو لفكرة ولا لمبدأ .
وإنما كان سببه الوحيد شهوة استعباد الآخرين وتسخيرهم لمصلحة الرومان .
فلكي يعيش الروماني عيشة البذخ والترف ، يستمتع بالحمامات الباردة والساخنة ، والثياب الفاخرة ، وأطايب الطعام من كل لون ، ويغرف في المتاع الفاجر من خمر ونساء ورقص وحفلات ومهرجانات ، كان لا بد لكل هذا من استعباد الشعوب الأخرى وامتصاص دمائها . ومصر مثل لذلك حين كانت في قبضة الرومان ، قبل أن يخلصها من نيرهم الإسلام. إذ كانت حقل قمح للإمبراطورية ، وموردا للأموال .
في سبيل هذه الشهوة الفاجرة كان الاستعمار الروماني ، وكان الرق الذي نشأ من ذلك الاستعمار . أما الرقيق فقد كانوا - كما ذكرنا - أشياء ليس لها كيان البشر ولا حقوق البشر . كانوا يعملون في الحقول وهم مصفدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنعهم من الفرار . ولم يكونوا يُطْعَمون إلا إبقاء على وجودهم ليعملوا ، لا لأن من حقهم - حتى كالبهائم والأشجار - أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء . وكانوا - في أثناء العمل - يساقون بالسوط ، لغير شيء إلا اللذة الفاجرة التي يحسها السيد أو وكيله في تعذيب هذه المخلوقات . ثم كانوا ينامون في"زنزانات"مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات والفئران ، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين في الزانزانة الواحدة - بأصفادهم - فلا يتاح لهم حتى الفراغ الذي يتاح بين بقرة وبقرة في حظيرة الحيوانات .
ولكن الشناعة الكبرى كانت شيئًا أفظع من كل ذلك ، وأدل على الطبيعة الوحشية التي ينطوي عليها ذلك الروماني القديم ، والتي ورثها عنه الأوربي الحديث في وسائل الاستعمار والاستغلال .
تلك كانت حلقات المبارزة بالسيف والرمح ، وكانت من أحب المهرجانات إليهم ، فيجتمع إليها السادة وعلى رأسهم الإمبراطور أحيانًا ، ليشاهدوا الرقيق يتبارزون مبارزة حقيقية ، توجه فيها طعنات السيوف والرماح إلى أي مكان في الجسم بلا تحرز ولا احتياط من القتل . بل كان المرح يصل إلى أقصاه ، وترتفع الحناجر بالهتاف والأكف بالتصفيق ، وتنطلق الضحكات السعيدة العميقة الخالصة حين يقضي أحد المتبارزين على زميله قضاء كاملًا ، فيلقيه طريحًا على الأرض فاقد الحياة !
ذلك كان الرقيق في العالم الروماني . ولا نحتاج أن نقول شيئًا عن الوضع القانوني للرقيق عندئذ ، وعن حق السيد المطلق في قتله وتعذيبه واستغلاله دون أن يكون له حق الشكوى ، ودون أن تكون هناك جهة تنظر في هذه الشكوى أو تعترف بها ، فذلك لغو بعد كل الذي سردناه .
ولم تكن معاملة الرقيق في فارس والهند وغيرها ، تختلف كثيرًا عما ذكرنا من حيث إهدار إنسانية الرقيق إهدارًا كاملا ً، وتحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقًا مقابلها ، وإن كانت تختلف فيما بينها قليلًا أو كثيرًا في مدى قسوتها وبشاعتها .
ثم جاء الإسلام …
جاء ليرد لهؤلاء البشر إنسانيتهم.جاء ليقول للسادة عن الرقيق:
"بعضكم من بعض" ( ) . جاء ليقول:"من قتل عبده قتلناه ، ومن جدع عبده جدعناه ، ومن أخصى عبده أخصيناه" ( ) . جاء ليقرر وحدة الأصل والمنشأ والمصير:"أنتم بنو آدم وآدم من تراب" ( ) ، وأنه لا فضل لسيد على عبد لمجرد أن هذا سيد وهذا عبد . وإنما الفضل للتقوى:"ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى" ( ) .