فهرس الكتاب

الصفحة 1886 من 4557

و { سًكارى } جمع ( سكران ) وهو من شرب ما يستر عقله ، وأصل المسألة مأخوذة من السَّكرْ ما سد به النهر ، فالماء حين ينساب يضعون سدًا ، هذا السد يمنع تدفق الماء ، وكذلك الخمر ساعة يشربها تمنع تدفق الفكر والعقل ، فأخذ من هذا المعنى ، (( لا تقربوا الصلاة الصلاة وأنتم سكارى ) )المفهوم أن الصلاة تأخذهم خمسة أوقات للقاء الله ، والسكر والخُمار ، وهو ما يمكث من أثر المسْكِر في النفس ، ومادام لن يقرب الصلاة وهو سكران فيمتنع في الأوقات المتقاربة . إذن فقد حملهم على أن يخرقوا العادة بأوقات يطول فيها أمد الابتعاد عن السُكر .

وماداموا قد اعتادوا أن يتركوها طوال النهار وحتى العشاء ، فسيصلي الواحد منهم ثم يشرب وينام .

إذن فقد مكث طوال النهار لم يشرب ، هذه مرحلة من المراحل ، وأوجد الحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة مرحليات تتقلبها النفس البشرية . فاول ما جاء ليتكلم عن الخمر قال

سورة النحل 67

وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

ويلاحظ هنا أن ( السُكر ) مقدم ، على الرزق الموصوف بالحسن ، ففيه سكر وفيه رزق . كأنهم عندما كانوا يألون العنب أو البلح فهذا رزق ، ووصف الله الرزق بأنه حسن . ولكنهم كانوا أيضًا ياخذون العنب ويصنعون منه خمرًا ، فقدم ربنا (السُكرَ) لأنهم يفعلون ذلك فيه ، ولكنه لم يصفه بالحسن ، بل قال: (( تتخذون منه سكرًا ) )لكن كلمة رزق وُصف بالحسن .

بالله عندما نسمع (( سكَرًا ورزقًا حسنًا ) )ألا نفهم أن كونه سكرًا يعني غير حسن ، لأن مقابل الحسن: قبيح . وكأنه قال: ومن ثمرات النخل والأعناب تتخذون منه سكرًا أي شرابًا قبيحًا ورزقًا حسنًا ، ولاهتمامكم أنتم بالسكر ، قدمه ، وبعد ذلك ماذا حدث ؟

عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يأتي بحكم تكون المقدمة له مثل النصيحة ، فالنصيحة ليست حكمًا شرعيًا ، والنصيحة أن يبين لك وأنت تختار ، يقول الحق: البقرة 219

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ

هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال: (( قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) )ولكن الإثم أكبر من النفع ، فهل قال لنا ماذا نفعل ؟ لا

لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم ، وأن يصل الإنسان إلى الحكم بنفسه ، فسبحانه قال: (( وإثمهما أكبر من نفعهما ) )فمادام الإثم أكبر من النفع فما مرجحات البدائل ؟ مرجحات البدائل تظهر لك حين تقارن بين بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرًا وأكثر البديلين خيرًا .

فحين يقول الحق: (( فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) )إذن فهذه نصيحة ، ومادامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ويستأمن الله على نصيحته . لكن لا حكم هنا ، فظل هناك ناس يشربون وناس لا يشربون ، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلي وقرأ سورة الكافرون ، ولأن عقله قد سد قال: قل ياأيها الكافرون أعبد ما تعبدون .... فوصلت المسألة ذروتها وهنا جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا ، لكن سكرك لا يصح أن يؤدي بك أن نكفر في الصلاة ، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور . هذا نهي ، وأمر ، وتكليف .

(( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) )ومادام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتًا نتمتع فيه ، إذن ففيه إلف بالترك ، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتي الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر الخمر ، فقالوا للنبي: بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا ، فنزل قوله الحق:

المائدة 90

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

إذن فقوله: (( ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم السكارى ) )مرحلة من مراحل التلطيف في تحريم الخمر ، فحرمها زمنًا ، هذا الزمن هو الوقت الذي يلقى الإنسان فيه ربه ، إنه أوضح لك: اعملها بعيدًا ، لكن عندما تأتي فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك ، (( حتى تعلموا ما تقولون ) )فكأن هذه أعطتنا حكمًا: أن الذي يسكر لا يعرف ماذا يقول ، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى هذا الحد ، وعندما تصل إلى هذا الحد يتدخل ربنا فيقول: (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت