قلت: قد أجمع علماء الإسلام على جواز زواج الفتاة قبل المحيض و الدخول بها و استدلوا بالآية الرابعة من سورة الطلاق .
قال الطبري رحمه الله: تأويل الآية: { واللائي يئسن من المحيض… فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } يقول: وكذلك عدة اللائي لم يحضن من الجواري لصغرهن إذا طلقهن أزواجهن بعد الدخول (14/142) ومثله قال ابن كثير ( 4/402) ، والقرطبي (18/165) وغيرهما.
و كذلك استدلوا بحديث زواج النبي بعائشة ..
"تزوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين"رواه البخاري ومسلم وعنده"سبع سنين".
قال النووي:
"كان لها ست وكسر، ففي رواية اقتصرت على السنين وفي رواية عدت السنة التي دخلت فيها"شرح مسلم (9/207) .
نُقل الإجماع على جواز تزويج الأب البكر الصغيرة - على الأقل إجماع الصحابة - وممن نقل الإجماع: الإمام أحمد في"المسائل"- رواية صالح - ( 3/129 ) والمروزي في"اختلاف العلماء" ( ص 125 ) ، وابن المنذر في"الإجماع" ( ص91 ) وابن عبد البر في"التمهيد"، والبغوي في"شرح السنة" ( 9/37 ) والنووي في"شرح مسلم" ( 9/206 ) وابن حجر في"الفتح" ( 12/27 ) ، والباجي في"المنتقى" ( 3 / 272 ) ، وابن العربي في"عارضة الأحوذي" ( 5 / 25 ) ، والشنقيطي في"مواهب الجليل" (3/27) .
و لكن القاعدة أيضًا هي صلاحية الفتاة للزواج و عدم الإضرار بها ..
قال النووي:
وأما وقت زفاف الصغيرة المزوجة والدخول بها: فإن اتفق الزوج والولي على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة: عُمل به ، وإن اختلفا: فقال أحمد وأبو عبيد: تجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها ، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الجماع ، ويختلف ذلك باختلافهن ، ولا يضبط بسنٍّ ، وهذا هو الصحيح ، وليس في حديث عائشة تحديد ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع ولا الإذن فيمن لم تطقه وقد بلغت تسعا ، قال الداودي: وكانت عائشة قد شبَّت شبابًا حسنًا رضى الله عنها .
"شرح مسلم" ( 9 / 206 ) .
قال ابن قدامة في المغني
(5635) فصل: وإمكان الوطء في الصغيرة معتبر بحالها واحتمالها لذلك . قاله القاضي . وذكر أنهن يختلفن , فقد تكون صغيرة السن تصلح , وكبيرة لا تصلح . وحده أحمد بتسع سنين , فقال في رواية أبي الحارث في الصغيرة يطلبها زوجها: فإن أتى عليها تسع سنين , دفعت إليه , ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع .
وذهب في ذلك إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى بعائشة وهي ابنة تسع .
قال القاضي: وهذا عندي ليس على طريق التحديد , وإنما ذكره لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن من الاستمتاع بها , فمتى كانت لا تصلح للوطء , لم يجب على أهلها تسليمها إليه , وإن ذكر أنه يحضنها ويربيها وله من يخدمها , لأنه لا يملك الاستمتاع بها , وليست له بمحل , ولا يؤمن شره نفسه إلى مواقعتها , فيفضها أو يقتلها . وإن طلب أهلها دفعها إليه , فامتنع , فله ذلك , ولا تلزمه نفقتها ; لأنه لا يمكن من استيفاء حقه منها .
قلت: من الثابت طبيًا أن أول حيضة تبدأ بعد بدء مرحلة البلوغ بسنتين (1) . فأول حيضة و المعروفة باسم المينارك menarche تقع بين سن التاسعة و الخامسة عشر (2) .
أما علامات البلوغ في الفتيات فهي:
1.تغير الصوت نحو الطبيعة الأنثوية .
2.استدارة منحنيات الجسم فتأخذ زوايا الجسم تدورات لطيفة بسبب الترسيب الإنتقائي للدهون .
3.نمو الحلمتين و الثديين بتأثير هرمون الإستروجين .
4.وجود بعض الميول النفسية مثل الخجل و الإنعزال و الميل للجنس الآخر .
5.النمو السريع للرحم و المهبل و باقي الأعضاء الجنسية .
6.ظهور أول حيضة (3) .
فثبت أن الحيض يتأخر عن البلوغ و لا يحدد بدايته . و هكذا نجمع بين كل الآراء فقد كان علمائنا يقصدون بوطء الصغيرة الفتاة التي لم تحض بعد و إن كانت أعراض البلوغ قد نالتها .
و قد نبه خالق المرأة إلى هذا الأمر في كتابه فلم يشترط نزول دم المحيض كعلامة على بدء البلوغ و ما هي بعلامة له أصلًا عند أهل الطب بل هي تدل على اكتمال عملية البلوغ و تقع بعد بدئه بسنتين .
و أيضًا د. دوشني - و هي طبيبة أمريكية - تقرر أن الفتاة البيضاء في أمريكا قد تبدأ في البلوغ عند السابعة أو الثامنة و الفتاة ذات الأصل الأفريقي عند السادسة (4) . و هذا بالتأكيد ليس له علاقة بنزول الحيض .
لذا فكلام هذا النصراني عن زواج الأطفال و غيره من الهراء بعيد عن الصحة فالفتاة عادة تبدأ سن البلوغ في سن الثامنة أو التاسعة بظهور علامات البلوغ المعتبرة عند أهل الطب و في هذا السن يمكن الدخول بها بلا مشاكل طبية أو نفسية من أي نوع بغض النظر عن نزول الحيض من عدمه و إنما الضابط هنا هو بلوغ الفتاة و صلاحيتها للزواج .
و الله أعلم .