فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
9.صرّح القرآن الكريم بأن الأمر لو كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكان هواه ألا يُلقى إليه أي آية من ذلك القول الثقيل. قال تعالى في سورة القصص:"وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ.. (86) ". نعم إنه قول ثقيل عليه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى في سورة المزمل:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) ".
بل لو كان الأمر بيده لأنزل كلامًا بحسب الطلب، ولكن لا ينبغي له ذلك. قال تعالى:"وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [الأعراف: 202] . نعم، عدم استجابة محمد صلى الله عليه وسلم لطلباتهم ليكونوا على بصيرة، وليهتدوا، ورحمة بهم..؛ ليتأكد لهم أنه صلى الله عليه وسلم ليس مصدر الوحي.
وسبحان من يجعل في شبهاتهم دليلًا عليهم !
10.نزول القرآن الكريم منجمًا في ثلاث وعشرين عامًا، ثم ترتيب ما نزل في نظم بديع محكم لا خلل فيه ولا تناقض ولا تغير في بلاغته. وذلك كله يستحيل أن يصدر عن بشر طبيعته النقص.
11.إن هذا القول مبني على وجود علم مدخر في العقل الباطن لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أين سيكون قد حصل على ذلك العلم السابق؟ لقد سبق مناقشة نقض احتمال أن يكون مصدر ذلك من الإنس أو الجن.
12.ما جاء في القرآن الكريم من عبادات شاقة، وتحريم ملذات يتوق إليها أي إنسان، ولم يكن لقريش أي غضاضة للقيام بها. لا يعقل أن يكون هواه قد أجبره على قيام أكثر الليل، وعلى الوصال في الصوم.. وأن يكون حرم عليه الخمر، والربا، ولبس الذهب والحرير، وقبول الصدقة، وتوريث أبنائه..
13.قد يستطيع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تخويف الصحابة ـ إن افترضنا أنه ألف القرآن الكريم لتلك الغاية ـ ولكن.. هل هنالك إنسان في العالم يخوف نفسه من عذاب النار، أو يلقي بيده إلى التهلكة بصرف الحراس عنه وهو يعيش في وسطٍ مليء بأعداءٍ، المستترون فيه أكثر من الظاهرين؟ انظر مثلًا إلى قوله تعالى في سورة المائدة:"يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) ".
هذا الصدق مع النفس، انبثق عنه صدق مع الآخرين.. بينته سورة يونس:"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ [5] مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) ".
بهذا يتبين استحالة تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بزعم أن يكون لمحتوى القرآن الكريم أي مصدر من المخلوقات (إنسًا أم جنًا) ، بل هو مصداق قوله تعالى في سورة الشورى:"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) ".
ولكن عمى البصيرة يحجبها عن ذلك، قال تعالى (في سورة الفرقان) :"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) ".
بالإضافة إلى الحسد، الذي تحدثت عنه سورة البقرة:"وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) ".
[1] انظر: قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، د. فضل حسن عباس، ص208. ومدخل لدراسة القرآن الكريم، محمد أبو شهبة، ص98. ومناهل العرفان، الزرقاني، 1/62.