فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لعلك أدركت الآن ـ قارئى الكريم ـ أن دائرة الخلاف في التعاملات النحوية بين القبائل العربية كانت صغيرة ، لكنها واقعة لا سبيل إلى إنكارها .
لكن لا تنتظر أن يخبرك واضعو المناهج النحوية في المدارس بكل الاختلافات النحوية في كل مسألة ، إنما هم يخبرونك فقط بـ"الشائع"و"الأعم"و"الأغلب".. ثم يتوسع من شاء في دراسته الجامعية ، لأنها أكثر تخصصًا .
وكل طالب مبتدئ في قسم للغة العربية في أى جامعة يدرك جيدًا ما قلته سابقًا .
هنالك ـ في المرحلة الجامعية ـ يدرس"الاختلافات"النحوية ، ويعرف ما هو الفرق بين"المذاهب"النحوية ، وبم تتميز"مدرسة الكوفة"عن"مدرسة البصرة".. إلى آخر هذه الأمور .
إذن .. وضع العلماء القواعد النحوية بناء على استقراء كلام العرب ، وما وجدوه من اختلافات أثبتوه .
هل بقى ما يقال ؟
بالطبع بقى .
بقى أن تعلم أن"أهم"مصادر العلماء التى اعتمدوا عليها في الاستقراء هو القرآن العظيم نفسه !
لأن القرآن أصدق صورة لعصره ، ليس فقط عند المسلم ، ولكن عند الجميع مسلمين وغير مسلمين ، فحتى أولئك الذين لا يؤمنون بمصدره الإلهى ، يؤمنون بأن القرآن أصدق تمثيل لعصره في الأحداث التاريخية والعادات الجارية .. واللغة وقواعدها .
إن علماء النحو يستدلون على صحة قاعدة نحوية ما بورودها في القرآن ، ليس في قراءة حفص عن عاصم فقط ، بل يكفى ورودها في أى قراءة متواترة أخرى .
أى أن القرآن ـ عند النحاة ـ هو الحاكم على صحة القاعدة النحوية ، وهى التى تسعى لتجد شاهدًا على صحتها في أى من قراءاته المتواترة .
القرآن هو الحاكم على النحو وليس العكس .
علينا أن نعى هذه الحقيقة جيدًا ، وعلينا أن نعلم النصارى ما جهلوه منها .
إن النصرانى المعترض ، عندما يقرأ ما أتى به المسلم من تخريجات نحوية للعلماء ، يظن أن أقوال العلماء هى مجرد محاولات للهروب وإخفاء الحقيقة ! .. والحقيقة الثابتة ـ عنده ـ أن القرآن به أخطاء نحوية .. الحقيقة الثابتة عنده أن محمدًا ـ صلوات ربى وسلامه عليه ـ لم يستذكر دروس كتاب النحو في الصف الثالث الإعدادى جيدًا !
الطريف في الأمر ، أن النصارى يعترضون على المخالفات النحوية في الآيات ، ولا يدرون من رصد هذه المخالفات !
لا تظن قارئى الكريم أن بعض النصارى العرب ـ سيرفنت أو غيره ـ تأملوا القرآن ، فاكتشفوا هذه الأخطاء المتوهمة ، بعدما حاكموه لما تعلموه في الابتدائية من قواعد نحوية .. كلا .. لا تظن ذلك أبدًا .
إنما كل ما يكتب عند النصارى حول ما يسمونه"أخطاء نحوية في القرآن"ليس من كلامهم ، ولا من لباب أذهانهم ، ولا من بنات أفكارهم .
لقد نقلوا كل هذه"الأخطاء !"عن كتب المستشرقين الأعاجم ! من أمثال"نولدكه"وغيره .
لن أتوقف بك ـ قارئى الكريم ـ كثيرًا في محطة هؤلاء المستشرقين أعجميى القلب واللسان .. لن أخبرك شيئًا عن بعض كتاباتهم التى توضح مدى جهلهم الفاضح باللغة العربية ، مع أنك ساعتها ستدرك أنك لست أجهل أهل الأرض باللغة العربية ! .. ولن أخبرك شيئًا عن حقدهم الدفين ـ والظاهر ! ـ على دين الحق وكتابه ونبيه بل وأهله .. لن أخبرك شيئًا عن ذلك ، ولن أقف بك في هذه المحطة أبدًا .
لكن تعال نتعدى هذه المرحلة لنتساءل .. من أين أتى هؤلاء المتعالمين من المستشرقين بما أسموه"أخطاء نحوية"، لينقلها نصارى العرب منهم بعد ذلك جهلًا بغير علم ؟
مرة أخرى أحذرك قارئى الكريم ! .. لا تتخيل أو تظن أو تتوهم أن هذا المستشرق الألكن ، ذا اللسان الأعجم ، قد تأمل القرآن"فتنبه"إلى تلك"الأخطاء"!
هم أحقر من ذلك قارئى الكريم ، وإن أوهموك بغير ذلك !
كان ما فعله هؤلاء المستشرقون كالتالى .. قرأوا كتب النحو التى ألفها علماء العربية ، وكذلك كتب التفسير ، وأخذوا يتتبعون ما رصده"علماء المسلمين"أنفسهم ، من ورود آيات قرآنية موافقة لقواعد نحوية لم تنل حظًا من الشهرة مثل غيرها .
لقد وجد المستشرقون بغيتهم !
فليجمعوا إذن كل تلك الإشارات والمواضع .. وليحذفوا تعقيبات العلماء منها ! .. وليطلقوا على ما جمعوه"أخطاء نحوية"! .. وليسموا ما فعلوه"بحثًا علميًا"! .. وليكن موصوفًا بالنزاهة والتجرد الموضوعى !
هذه هى قصتنا قارئى الكريم !