فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 4557

الثانية:

قوله تعالى: (.. والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس ) (7) .

وشاهدهم على هذه

الشبهة هو قوله سبحانه:"والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس"لأنه جاء منصوبًا بـ"الياء"بعد قوله تعالى:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا".

وكان يجب أن يرفع المعطوف ـ يعنى: الصابرين ـ على المرفوع ـ يعنى: الموفون ـ فيقول: والموفون والصابرون"، هذا قولهم."

الرد على

الشبهة:

يُحسن بنا أولًا أن نذكر هذه الآية بتمامها لننظر فيها نظرة جُملية قبل مواجهة ما آثاره الخصوم حولها:

(1) (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) .

(2) (وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب) .

(3) (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) .

(4) (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) .

(5) (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) .

ترى أننا وزعنا كلمات هذه السورة على وحدات كل وحدة منها تضم معانى وقيمًا متجانسة.

الوحدة الأولى: قيم إيمانية تنتظم تحت مفهوم العقيدة وهى: الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، وبالملائكة ، وبالوحى ، ثم بالأنبياء والرسل صلى الله عليه وسلم .

والوحدة الثانية: تنتظم عناصرها تحت مبدأ"الإنفاق المالى الحر (غير الزكاة) ويبين الله فيها الصفات التى تتحقق في المنفق عليه ، وهم:"

-ذوو القربى من النسب.

-اليتامى مهما تباعدت صلتهم عن المنفق.

-المساكين ، الذين ليس لهم مصدر رزق كسبى ، إما لعدم وجود عمل ، أو لعجز عنه.

-الغرباء الذين تعوزهم الحاجة في السفر ، وليس معهم مال وإن كانوا أغنياء في بلادهم.

-المحتاجون ـ حقًا ـ الذين يستعطفون الناس لسد حاجتهم في غير معصية.

-عتق الرقاب من الرق ، إما تطوعًا ، أو كاتب السيد عبده على مقدار من المال ليصير حرًا.

والوحدة الثالثة: يندرج عنصراها: الصلاة والزكاة تحت ركنين عمليين من أركان الإسلام ، والزكاة إنفاق واجب ، وليس حرًا.

والوحدة الرابعة: هى حسن المعاملة مع الناس بوفاء الوعد العهد.

والوحدة الخامسة: تنتظم عناصرها تحت مبدأ الصبر الجميل في كل عمل خير يؤديه المكلف ، وبخاصة في الشدائد والمحن وملاقاة العدو.

أما الوحدة السادسة: فهى بيان فضل هؤلاء المذكورين في الآية ، وبخاصة ما ذكر قبل الفاصلة مباشرة ، ومنزلتهم عند الله:

"أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".

وإذا تأملت هذه الوحدات ، وعناصرها المندرجة تحتها ، وجدت أن أشدها وقعًا على النفس ، وأكثرها أعباء ، وأشقها كلفة ، هى الصبر في المحن والشدائد والأخطار ، وبخاصة في ملاقاة العدو ، والتعرض لزحفه وسلاحه ، وقد يفضى بالإنسان إما إلى حدوث عاهات مؤلمة في الجسم ، وإما إلى الموت. فالمقاتل في ساحات الكر والفر إنما يصارع الموت ، ومقدمات الموت.

ولهذا جاء إعراب"الصابرين"مخالفًا لإعراب ما قبلها ، ليلفت الله أذهان العباد إلى أهمية الصبر في هذه المجالات ، وهذا الإعراب المخالف لما قبله يفيد مع تركيز الانتباه ، وتوفير العناية بتأمُّل هذا الخلق العظيم ، يفيد أمرًا آخر مبهجًا للنفوس ، هو مدح هؤلاء الصابرين شديدى العزيمة ، قويى الاحتمال.

فانظر إلى نفائس هذه المعانى ، التى دل عليها نصب"الصابرين"مع كون ما قبله مرفوعًا. إنها بلاغة القرآن المعجز ، وعبقرية اللغة العربية لغة التنزيل الحكيم.

وهذا الإعراب المخالف لإعراب ما قبله ، هو الذى يسميه النحاة واللغويون بـ"القطع"كما تقدم في نظيريه في هذه الدراسة ، إما للمدح كما في هذه الآية ، وآية النساء"والمقيمين الصلاة"وقد تقدمت.

وإما بقصد الذم ، كما في قوله تعالى في سورة المسد"وامرأته حمالةَ الحطب"أى امرأة أبى لهب التى كانت تحمل الشوك وتنثره في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لتؤذيه. لأن كلمة"حمالة"جاءت منصوبة بعد رفع ما قبلها ، وهى"امرأتُه"فهذا قطع كذلك ، القصد منه الذم ، أى: أذم أو ألعن حمالة الحطب.

وأيًا كان القطع للمدح أو الذم ، فإنه من أرقى الأساليب البلاغية ، يحتوى على فضيلة الإيجاز وهى أن تكون المعانى أكثر وأوفر من الألفاظ التى تدل عليها ، أو المستعملة فيها ، لأن كل كلمة قُطِعَ إعرابها عما قبلها نابت هذه الكلمة مناب ثلاثة قيم بيانية ، رامزة إلى وجودها في المقام ، وإن كانت محذوفة وهى:

1 ـ الكلام الذى عمل الإعراب المخالف في الكلمة المقطوع إعرابها عن إعراب ما قبلها ، وهو فى"الصابرين"أمدح أو أخص الصابرين بالمدح. وفى آية"المسد"أذم أو ألعن.

2 ـ إفادة المدح أو الذم بغير الألفاظ التى تدل عليهما.

3 ـ فضيلة الإيجاز البيانى المفعم بالمعانى الآسرة والدلالات الساحرة. فسبحان من هذا كلامه !

والخلاصة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت