فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
نظروا في هذه الآية، فوقعت أعينهم على كلمة"المقيمين"فقارنوا بينها وبين ما قبلها:"الراسخون"ـ"المؤمنون"وبين ما بعدها"المؤتون"ـ"المؤمنون"فوجدوا ما قبلها وما بعدها مرفوعًا بـ"الواو"لأنه جمع مذكر سالم ؛ أما"المقيمين"فوجدوها منصوبة بـ"الياء"لأنها كذلك جمع مذكر سالم.حقه أن يرفع بـ"الواو"ينصب ويجر بـ"الياء". وسرعان ما صاحوا وقالوا إن في القرآن خطأ نحويًا من نوع جديد ، هو"عطف المنصوب على المرفوع ، أو نصب المعطوف على المرفوع". ثم علقوا قائلين:
"وكان يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع فيقول:"والمقيمون الصلاة"، هذا هو مبلغهم من الجهل ، أو حظهم من العناد وكراهية ما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ."
الرد على
الشبهة:
هذه الآية وردت في سياق الحديث عن اليهود تنصف من استحق الإنصاف منهم ، بعد أن ذم الله تعالى من عاند منهم ، وحاد عن الحق ، في الآيات التى سبقت هذه الآية.
ومجىء"المقيمين"بالياء خلافًا لنسق ما قبله وما بعده لفت أنظار النحاة والمفسرين والقراء ، فأكثروا القول في توجيهه ـ مع إجماعهم على صحته.
وقد اختلفت أراؤهم فيه وها نحن نقتصر على ذكر ما قل ودل منها في الرد على هؤلاء الكارهين لما أنزل الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم ولن نذكر كل ما قيل توخيًا للإيجاز المفهم.
وأشهر الآراء فيها أن"المقيمين"منصوب على الاختصاص المراد منه المدح في هذا الموضع بدلالة المقام ؛ لأن المؤدين للصلاة بكامل ما يجب لها من طهارة ومبادرة وخشوع وتمكن ، جديرون بأن يُمدحوا من الله والناس.
يقول الإمام الزمخشرى:
" و"المقيمين"نُصِبَ على المدح ، لبيان فضل الصلاة وهو باب واسع ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف ، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ، ولم يعرف مذاهب العرب ، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان " (2) .
الزمخشرى أوجز كلامه في الوجه الذى نُصب عليه"المقيمين"وهو الاختصاص مع إرادة المدح (2) .
الاختصاص هو مخالفة إعراب كلمة لإعراب ما قبلها بقصد المدح كما في هذه الآية ، أو الذم. ويسمى الاختصاص والقطع.
ومع إيجازه في عبارته كان حكيمًا فيها ، ومن الطريف في كلامه إشارته إلى خطأ من يقول إن نصب"المقيمين"لحن في خط المصحف ـ لا سمح الله ـ ثم وصفه بالجهل بمذاهب العرب في البيان ، والتفنن في الأساليب ، وكأنه ـ رحمه الله ـ يتصدى للرد على هؤلاء الطاعنين في القرآن ، الذين نرد عليهم في هذه الرسالة.
والرأى الذى اقتصر عليه الإمام الزمخشرى هو المشهور عند النحاة والمفسرين والقراء.
وقد سبق الزمخشرى في هذا التوجيه شيخ النحاة سيبويه وأبو البقاء العكبرى (4) .
وهذا الاختصاص أو القطع بيان لفضل الصلاة التى جعلها الله على الناس كتابًا موقوتًا ، وأمر عباده بإقامتها والمحافظة عليها في كثير من آيات الكتاب العزيز ومثَّلها رسوله صلى الله عليه وسلم ـ كما في صحيحى البخارى ومسلم ـ بالنهر ، الذى يستحم فيه المكلف في اليوم خمس مرات ، فيزيل كل ما علق بجسمه من الأدران والأوساخ ، وكذلك الصلوات الخمس فإنها تمحو الخطايا ، وتزيل المعاصى كما يزيل الماء أدران الأجسام.
أما الآراء الأخرى فكثيرة ، ولكنها لا تبلغ من القوة والشيوع ما بلغه هذا الرأى ، وهو النصب على الاختصاص أو القطع.
وقد أوردوا عليه شواهد عدة من الشعر العربى المحتج به لغويًا ونحويًا. ومن ذلك ما أورده سيبويه:
ويأوى إلى نسوة عُطَّلٍ
وشُعْثًا مراضيع مثل الثعالى
ومنها قول الخرنق بنت هفان:
لا يبعدنْ قومى الذين همو
سًمُّ العداة وآفة الجزْر
النازلين بكل معتركٍ
والطيبون معاقد الأُزْر (5)
والشاهد في هذه الأبيات ، نصب"شُعثا"فى البيتين الأوليين وهو معطوف على مجرور"عُطَّلٍ".
والشاهد في البيتين الآخرين نصب"النازلين"وهو معطوف على مرفوع ، وهو"سمُّ العداة".
هذا ، وقد قلنا من قبل إن القرآن غير مفتقر إلى شواهد من خارجه على صحة أساليبه ، ومع هذا فإن ورود هذه الشواهد نرحب به ولا نقلل من شأنه ، ومنهم من جعل"المقيمين"مجرورًا لا منصوبًا ، وقال إن جره لأنه معطوف على الضمير المجرور محلًا فى"منهم"والمعنى على هذا:
لكن الراسخون منهم والمقيمين الصلاة.
وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على الكاف فى"أنزل إليك"وبعضهم قال إنه مجرور بالعطف على"ما"فى"بما أنزل إليك".
أو هو مجرور بالعطف على"الكاف"فى"قبلك" (6) .
والخلاصة:
إن الذى ينبغى الركون إليه ـ لقوته ـ هو الرأى الأول ، المنسوب إلى سيبويه وأبى البقاء العكبرى والزمخشرى وابن عطية ، أما ما عداه من آراء فلا تخلو من التكلف أو الضعف.
أما النصب على الاختصاص فلا مناص من قبوله ؛ لأنه أسلوب شائع في الاستعمال اللغوى العربى ، وفيه من البلاغة أمر زائد على مجرد التوجيه النحوى ، الذى لا يتجاوز بيان عامل النصب أو الجر.