فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويطمئن نفسه بما تكفل الله به من كفايته أمر المكذبين، واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا {المزمل: 10- 11} ، وهذا هو ما جاء في حكمة قصص الأنبياء بالقرآن: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك {هود: 120} ، وكلما اشتد ألم رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكذيب قومه، وداخله الحزن لأذاهم نزل القرآن دعمًا وتسلية له، يهدد المكذبين بأن الله يعلم أحوالهم، وسيجازيهم على ما كان منهم: فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون {يس: 76} ، ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم {يونس: 65} ، كما يبشره الله تعالى بآيات المنعة والغلبة والنصر: والله يعصمك من الناس {المائدة: 67} ، وينصرك الله نصرا عزيزا {الفتح: 3} ، كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز {المجادلة: 21} .
وهكذا كانت آيات القرآن تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تباعًا تسلية له بعد تسلية وعزاء بعد عزاء، حتى لا يأخذ منه الحزن مأخذه ولا يستبد به الأسى، ولا يجد اليأس إلى نفسه سبيلًا، فله في قصص الأنبياء أسوة، وفي مصير المكذبين سلوى، وفي العِدَة بالنصر بشرى، وكلما عرض له شيء من الحزن بمقتضى الطبع البشري تكررت التسلية فثبت قلبه على دعوته، وأطمأن إلى النصر.
وهذه الحكمة هي التي رد الله بها على اعتراض الكفار في تنجيم القرآن بقوله تعالى: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا {الفرقان: 32} .
قال أبو شامة:"فإن قيل: ما السِّرُّ في نزله منجمًا؟ وهلا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله:"كذلك"أي أنزلناه مفرقًا لنثبت به فؤادك أي لنقويّ به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل".
الحكمة الثانية: التحدي والإعجاز:
فالمشركون تمادوا في غيهم، وبالغوا في عتوهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحدٍ يمتحنون بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في نبوته ويسوقون له من ذلك كل عجيب من باطلهم، كعلم الساعة: يسألونك عن الساعة {الأعراف: 187} ، واستعجال العذاب: ويستعجلونك بالعذاب {الحج: 47} ، فيتنزل القرآن بما يبين وجه الحق لهم، وبما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم كما قال تعالى: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا {الفرقان: 33} أي: ولا يأتونك بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة إلا أتيناك نحن بالجواب الحق، وبما هو أحسن معنى من تلك الأسئلة التي هي مثل في البطلان.
الحكمة الثالثة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها:
فكلما جدّ منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه، وفصّل لهم الله من أحكامه ما يوافقه، وتشتمل هذه الحكمة على أمور أربعة:
أولها: إجابة السائلين عن أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته كما قال تعالى في جواب سؤال أعدائه: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا {الإسراء: 85} ، أم كانت لغرض التنور ومعرفة حكم الله كقوله تعالى: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو {البقرة: 219} .
ثانيها: مجاراة الأقضية والحوادث في حينها ببيان حكم الله فيها عند حدوثها، ومعلوم أن تلك الأقضية والحوادث لم تقع جملة واحدة وإنما وقعت متفرقة.
ومن ثم كان لا بد من نزول القرآن مفرقًا على حسب هذه الأقضية والوقائع، ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله {المجادلة: 1} .
ثالثها: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح الأخطاء التي كانوا فيها، مثال ذلك: قول الله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم {آل عمران: 121} ، فقد نزل هذا القول الكريم في غزوة أحد إرشادًا للمسلمين إلى موقع الخطأ الذي وقعوا فيه.
رابعها: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ويظهر هذا واضحًا من قول الله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين إلى قوله تعالى: إن الله على كل شيء قدير {البقرة: 8- 20} . فالآيات المذكورة فضحت المنافقين وكشفت أستارهم.
الحكمة الرابعة: التدرج في تشريع الأحكام: