فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا، فالمراد به نزوله منجمًا"مفرقًا"، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يفرقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم. وقد نزل القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرقًا في قوله تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا {الإسراء: 106} ، أي جعلنا نزوله مفرقًا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزلناه تنزيلًا بحسب الوقائع والأحداث.
أما الكتب السماوية الأخرى- كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة ولم تنزل مفرقة، يدل على هذا قوله تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا {الفرقان: 32} ، فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجمًا، فمعنى قولهم: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة هلا أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وما له أنزل على التنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله عليهم بأن هذه سنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم: وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق {الفرقان: 7} بقوله: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق {الفرقان: 20} .
وكما رد عليهم في قولهم: أبعث الله بشرا رسولا {الإسراء: 94} بقوله: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا {الإسراء: 95} ، وقوله: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم {الأنبياء: 7} ، بل أجابهم الله تعالى ببيان وجه الحكمة من تنزيل القرآن منجمًا بقوله: كذلك لنثبت به فؤادك ، أي: كذلك أنزل مفرقًا لحكمة تقوية قلب رسول الله، ورتلناه ترتيلا أي: قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبت.
والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين جملة، وصح نزول"غير أولي الضرر"وحدها وهي بعض آية.
الحكمة من نزول القرآن منجمًا
الحكمة الأولى: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم:
لقوله تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا {الفرقان: 32، 33} .
لقد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الناس، فوجد منهم نفورًا وقسوة، وتصدى له قوم غلاظ الأكباد فُطروا على الجفوة، وجبلوا على العناد، يتعرضون له بصنوف الأذى والعنت مع رغبته الصادقة في إبلاغهم الخير الذي يحمله إليهم، حتى قال الله فيه: فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا {الكهف: 6} .
فكان الوحي يتنزل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فترة بعد فترة، بما يثبت قلبه على الحق، ويشحذ عزمه للمضي قدمًا في طريق دعوته، لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه.
يبين الله له سنته في الأنبياء السابقين الذين كذبوا وأوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله وأن قومه لم يكذبوه إلا علوًا واستكبارًا، فيجد عليه الصلاة والسلام في ذلك السنة الإلهية في موكب النبوة عبر التاريخ التي يتأسى بها تسلية له إزاء أذى قومه، وتكذيبهم إياه، وإعراضهم عنه: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا {الأنعام: 33، 34} ، وقال تعالى: فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير {آل عمران: 184} ، ويأمره القرآن بالصبر كما صبر الرسل من قبله: فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل {الأحقاف: 35} .