فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن الحرب الصليبية التي بلغت ذروتها في البوسنة والهرسك في أيامنا الأخيرة، قد بدأت في الحقيقة منذ عدة قرون... نستطيع أن نقول بشيء من التحديد إنها بدأت بطرد المسلمين من الأندلس، وقد سقطت آخر دويلة إسلامية في الأندلس عام 1492م [11] ، بعد أن عملت محاكم التفتيش بكل فظائعها لإبادة المسلمين، والقضاء الكامل على الإسلام في تلك البقاع. ثم أمر البابا بمتابعة المسلمين خارج الأندلس، وفرض النصرانية عليهم بالسيف إن لم يستجيبوا لدعوة التنصير، وكانت الرحلات التي قام بها فاسكو داجاما وماجلان وغيرهما رحلات استكشافية، لكشف نقاط الضعف التي يمكن عن طريقها اختراق العالم الأسلامي توطئة لغزوه والاستيلاء عليه، وقد اضطرت كلها أن تسير في اتجاه مغاير للحملات الصليبية الأولى بسبب وجود الدولة العثمانية بقوتها الرهيبة في الشرق، وتوغلها الكاسح في شرق أوربا، فكان على الحملة الجديدة أن تدور حول أفريقيا، وتحاول غزو الأطراف البعيدة أولا قبل أن تتجه إلى قلب العالم الإسلامي، وبالذات إلى بيت المقدس، الذي انهزمت عنده الحملات الصليبية الأولى، وفي هذه المرة لم يكن بيت المقدس هدفا للنصارى وحدهم، بل اشترك اليهود معهم، ولكن لحسابهم الخاص!
وشهد القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريان - الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديان - تركيزا شديدا في الحملة الصليبية، انتهى بالاستيلاء على معظم بلاد العالم الإسلامي، بعد معارك عنيفة بين المسلمين والصليبيين، انتهت كلها بهزيمة المسلمين أمام الغزو الكاسح، وخضوع العالم الإسلامي للغزو النصراني.
وبطبيعة الحال لم تحدث تلك الهزيمة اعتباطا، وإنما كان لها أسباب.
والأسباب الظاهرة هي التخلف الذي أحاط بالمسلمين في ميدان العلم، وميدان"التكنولوجيا"، وميدان الاقتصاد، وميدان التدريب الحربي والتسلح، وقد كانت هذه الأسباب كلها قمينة بإحداث الهزيمة العسكرية أمام الغرب الذي كان قد تقدم في كل تلك الميادين بمقدار ما تخلف المسلمون! ومعركة إمبابة الشهيرة بين المماليك ونابليون نموذج واضح لهذه الحقيقة، فقد استغرقت المعركة كلها عشرين دقيقة! ولم يكن ينقص المماليك الشجاعة الحربية ولا الرغبة في صد العدوان عن ملكهم، ولكن مدافعهم المتخلفة التي تحتاج إلى فترة زمنية بعد كل طلقة حتى تبرد ويمكن حشوها بالبارود من جديد، والتي يتناقص مداها كلما حميت، لم تكن لتصمد أمام المدافع التي تتتابع طلقاتها بسرعة وقوة وتمكن، ومن مدى أبعد مما تصل إليه مدافع المماليك.
ولكن الدراسة الواعية لتلك الفترة من التاريخ يجب ألا تقف عند الأسباب الظاهرة، فتفوتها عندئذ الحقيقة الكامنة وراء تلك الأسباب. إنما يجب أن تتعمق لترى الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانهيار.
وحين يقوم المؤرخ المسلم بدراسة هذه الفترة من التاريخ فسيكون له بالضرورة موقف مختلف عن المؤرخ الأوربي، من ناحيتين اثنتين على الأقل.
الناحية الأولى أنه سيتتبع الروح الصليبية الدافعة إلى غزو العالم الإسلامي، التي يخفيها المؤرخ الغربي عامدا رغم وضوحها. فقد ظل الغرب يوحي إلينا أن غزوه الأخير للعالم الإسلامي لم يكن ذا صلة على الإطلاق بالروح الصليبية التي دعت إلى الحملات الصليبية القديمة، إنما هو منبعث من أسباب اقتصادية بحتة! فمرة سببه البحث عن التوابل! ومرة سببه البحث عن الخامات الرخيصة! ومرة سببه البحث عن أسواق لتصريف فائض المنتجات التي يصنّعها الغرب!
مع ان فاسكو داجاما - الرائد الأول للغزو الصليبي الحديث - قال بعبارة صريحة حين وصل إلى جزر الهند الشرقية - بمعاونة الخرائط الإسلامية، ومعاونة البحار المسلم ابن ماجد - قال:"الآن طوقنا رقبة الإسلام، ولم يبق إلا جذب الحبل فيختنق ويموت!"، كما أن ماجلان - وهو كذلك من الرواد الأوئل لهذا الغزو - ألح على البابا أن يأذن له بقيادة حملة صليبية بهدف محدد، هو ضم أراضي الفلبين تحت راية الصليب، ولما أذن له البابا على تردد - لعدم ثقته بقدرته على إنجاح حملته - ذهب بالفعل إلى الفلبين، ورفع الصليب على إحدى جزرها، فقتله المسلمون هناك وقضوا على حملته [12] !
وقد كانت للغرب مصلحة ظاهرة في إخفاء الوجه الصليبي للحملة الجديدة، اتقاء لإثارة الروح الدينية عند المسلمين، التي تبعث على"الجهاد المقدس"وهو أخطر ما يخشاه الغزاة - صليبين كانوا أو صهيونيين أو عباد بقر أو عباد أصنام - وقد ذاق الغزاة بأسه بالفعل في الهند والجزائر وغيرهما من البقاع.