فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كتب كرومر - المعتمد البريطاني في مصر أول أيام الاحتلال - في مذكراته المسماة"مصر الحديثة"- Modern Egypt:"إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية! على رأس هذه البلاد هي تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن بحيث تصبح هي أساس العلاقات بين الناس وإن كان من الواجب - منعا من إثارة الشكوك - ألا يعمل رسميا على تنصير المسلمين، وأن يرعى من منصبه الرسمي المظاهر الزائفة للدين الإسلامي، كالاحتفالات الدينية وما شابه ذلك"!
والهدف من هذا الكلام واضح... إبعاد المسلمين عن الإسلام دون إشعارهم أن الهدف هو إبعادهم عن الإسلام! وذلك منعا من إثارة الشكوك... أي منعا من إثارة الروح الدينية عند المسلمين، حين يتضح الوجه الصليبي على حقيقته!
ونفي الدافع الصليبي عن الغزو الصليبي الحديث كان يهدف إلى ذات الغاية التي قصد إليها كرومر، وهي عدم إثارة روح الجهاد المقدس ضد الغزاة، والسعي إلى ترويضهم بحيث يقبلون الأمر الواقع، وحتى إن اتجهوا إلى مقاومته، قاوموه بغير روح الجهاد المقدس التي يفزع منها الغزاة!
ولترويج هذه الفرية في نفوس المسلمين في البلاد المحتلة قال الغرب إنه ترك الدين منذ فترة! ولم يعد الدين هو الذي يحركه! إنما الذي يحركه هو"المصالح الاقتصادية"فحسب! ولاكت ألسن المسلمين هذه الفرية في فترة التيه، وروجها دعاة الغزو الفكري - بوعي أو بغير وعي - ليثبطوا أي تحرك جهادي إسلامي ضد الغزاة!
نعم! لقد نبذت أوربا دينها، فلم تعد تتحرك به داخل بلادها... ولكنها لم تنس قط الروح الصليبية الكامنة في دمائها، والتي تحركها دائما ضد الإسلام والمسلمين! وهذه الحقيقة - حقيقة نبذ أوربا لدينها، وبقاء الحقد الصليبي تجاه الإسلام مشتعلا رغم ذلك - قد أشار إليها المستشرق النمساوي"محمد أسد"في كتابه الشهير"الإسلام على مفترق الطرق"الذي ألفه بعد أن أعلن إسلامه، وحاول فيه تفسير هذه الظاهرة الغريبة التي قال إنه لم يحدث مثلها في التاريخ، فقال: إن هذا الحقد قد ولد في نفوس الأوروبيين في فترة طفولتهم الفكرية والحضارية، فلم تستطع فترة النضج التالية أن تمحوه من نفوسهم، لأن ما ينطبع في الطفولة يتبقى عالقا في النفس! [13] .
ولسنا نحن في حاجة إلى شهادة محمد أسد ولا تفسيره، وعندنا شهادة الله سبحانه وتعالى وتقريره: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [14] .
وعندنا مذبحة البوسنة والهرسك شهادة لا تحتمل التأويل.
فالمندوب البريطاني"أوين"الذي ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة البوسنة والهرسك يتكلم حين يتكلم كأنما بلسان الصرب، بل يطلب للصرب أحيانا أكثر مما يطلبون هم لأنفسهم، بل طالب في أكثر من مرة بمعاقبة المسلمين لأنهم لم يتقبلوا اغتيال الصرب الوحشي لهم في صمت ولا هتكهم لأعراضهم، بل كانوا يدافعون عن أنفسهم بين الحين والحين!
والأمر الثاني الذي يجب على المؤرخ المسلم إبرازه بينما المؤرخ الأوربي لا يذكره على الإطلاق، هو أن السبب الحقيقي وراء كل ألوان التخلف التي أحاطت بالمسلمين في الفترة الأخيرة كان هو التخلف العقدي... التخلف عن حقيقة لا إله إلا الله.
إن الضعف ليس من طبيعة هذا الدين، وهو دين القوة والجهاد والتمكن، الذي اكتسح في سنوات معدودة الإمبراطورية الفارسية بأكملها ونصف الإمبراطورية الرومانية العتيدة، والذي هزم التتار في عنفوانهم وهزم الصليبيين في حملاتهم القديمة، واستقر في معظم الأرض المعمورة في وقته استقرار التمكن والرسوخ والنماء. إنما الضعف عنصر طارئ في حياة المسلمين لم يتأت لهم وهم مستمسكون استمساكا حقيقيا بدينهم، وسواء كان سببه الترف الذي أصاب الحكام العثمانيين بعد أن استتب لهم الملك والغلبة على الأعداء، أو حلقات الذكر الصوفي التي تستوعب طاقة المسلم الروحية فتصرفها عن الجهاد، وتحولها إلى سبحات روحية أشبه بالخدر منها إلى الوعي الحيّ، أو انتشار الخرافة والتعلق بالخوارق الموهومة والكرامات المنسوبة إلى المشايخ، الأحياء منهم والأموات، أو إهمال العلوم الكونية وإهمال عمارة الأرض والانصراف عن أسباب التمكن، أو الاستبداد السياسي الذي يجعل الناس ينصرفون إلى خاصة أنفسهم ويتركون الانشغال بالقضايا العامة التي تقرر مصاير الأمة، ويتركز"الدين"في حسهم في الشعائر التعبدية فحسب، أو تَحَوُّلَ الدين كله في النهاية إلى تقاليد تُرْعَى لذاتها ولكنها خاوية من الروح...
سواء كان السبب هذا أو ذاك أو ذلك فكلها ليست من طبيعة هذا الدين، ولاهي مستوحاة من نصوصه المنزلة أو سوابقه التاريخية حين كان مطبقا تطبيقا صحيحا في واقع الحياة.
والمؤرخ الأوربي المدقق لن تفوته معرفة هذه الحقيقة: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) [15] .