فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولكنه لن يظهره وإن عرفه وتيقن منه: (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [16] .
فإنه لو أظهره فكأنما سيوقظ المسلمين إلى حقيقة انحرافهم عن مصدر قوتهم الحقيقي، وسيدعوهم إلى محاولة تغيير واقعهم، والعودة إلى حقيقة الإسلام التي لايمقت الغرب شيئا كمقته إياها، ولايخاف شيئا كخوفه منها.
بل لقد عمد المؤرخ الأوربي - وتبعه من تبعه من"المسلمين"الغارقين في التيه - إلى ما هو أسوأ من إخفاء تلك الحقيقة، فزعم أن"الدين"ذاته كان هو السبب في كل هذا البلاء! في الضعف والتخلف والخرافة والجهل والاستخذاء والقعود! وأنه لابد من نبذ الدين ليتحرر الناس من الجهل والخرافة، ويزيلوا الأغلال التي تمنعهم من الانطلاق! وحرص - وحرصوا معه - على منع أية إشارة تنبه الناس إلى حقيقة بعدهم عن حقيقة الدين، وأن الدين الحقيقي شيء آخر غير الذي يمارسونه باسم الدين!
حدثني ذات مرة صديق كنت أعمل معه في إدارة واحدة [17] ، أنه التقى بأحد المستشرقين أثناء مرور الأخير بالقاهرة في أوائل الستينيات من هذا القرن الميلادي، فسأله عن جملة أشياء تتعلق بالإسلام والمسلمين وما يدور من أفكار بينهم، وفي أثناء الحديث سأله: هل تعرف فلانا؟ - وذكر له اسمي - فأجابه بالإيجاب، فسأله: هل هو من خريجي الأزهر؟ قال له: لا! إنه من خريجي قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة! فلم يخفِ عجبه - وإستياءه كذلك - من أن ينشغل واحد من خريجي هذا القسم - الذي أنشئ ابتداء لتخريج"علمانيين"يتبعون طريقة التفكير الغربية ومنهج الغرب في الحياة - أن ينشغل بأمور الإسلام، ويكتب في موضوعات دينية!
ثم راح المستشرق يكيل النقد لكتاباتي، وخاصة كتاب"شبهات حول الإسلام" [18] وكان أشد حنقه على أمر معين، هو أنني أنتقد مادية الغرب، وأهاجم حضارته المادية الخالية من الروح.
وقال لصديقي حانقا: ماذا صنعتم أنتم بروحانيتكم؟! لولا تقدمنا المادي ما استطعتم أنتم أن تعيشوا! فحدثه الصديق - رحمه الله - أنني أقول؛ بأن الإسلام ليس روحانية فحسب، وإنما هو يجمع بين عالم المادة وعالم الروح، ويدعو إلى بذل النشاط في كلا المجالين في آن واحد. فقال له: ولكن واقعكم خلاف ذلك! فقال الصديق - يتابع حديثه عني -"إنه يقول إن واقع المسلمين اليوم بعيد عن حقيقة الإسلام"! فانتفض الرجل من كرسيه حنقا وغضبا وقال: هو يقول ذلك؟! أين يقول هذا الكلام؟! قال: في كتاب له يسمى"هل نحن مسلمون". فقال المستشرق وهو ينصرف في عصبية ظاهرة: هذا أمر خطير!
أمر خطير أن يتنبه أحد - أو ينبه الناس - إلى أن حقيقة الإسلام غير ما يمارس باسم الإسلام، وأن الواقع السيء الذي يعيشه المسلمون اليوم سببه البعد عن حقيقة الإسلام!
المؤرخ المسلم - في تناوله لتاريخ تلك الفترة - عليه من إسلامه واجب لابد أن يؤديه، هو أن يبين للناس السبب الحقيقي فيما حدث من هزيمة عسكرية أمام الغرب، وأن يفسر لهم كذلك سبب الهزيمة الروحية التي تلت الهزيمة في ميدان الحرب...
فأما الهزيمة الحربية فقد كانت نتيجة طبيعية لترك الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى القوة، ولكن ترك الأخذ بالأسباب كان هو ذاته نتيجةً للخلل العقدي الذي أصاب المسلمين فجعلهم ينحرفون بالدين عن حقيقته، ولا يعملون بمقتضاه.
فالفكر الإرجائي الذي أخرج العمل من مسمى الإيمان، وجعل الإيمان هو التصديق القلبي والإقرار اللساني فحسب، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح الذين قالوا إن الإيمان قول وعمل، والذين كان في حسهم أن العلم الذي لايصحبه عمل ليس علما حقيقيا، وأن العمل هو الثمرة الحقيقية للعلم.
وقد أدى هذا الانحراف العقدي إلى تصور للدين غير صحيح، وسلوك بالدين غير صحيح، فزاد تفلت الناس من التكاليف بغير حرج في صدورهم، لأنهم - في وَهْم أنفسهم - مؤمنون صادقو الإيمان مهما تفلتوا، ما داموا مصدقين بالقلب، ومقرين باللسان!
والفكر الصوفي الذي أدى إلى تضخم"الشيخ"في حس"المريد"حتى صار واسطة بينه وبين الله، كان انحرافا متعلقا بالعقيدة، ومجافيا لمنهج السلف الصالح، الذين تعلموا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا وسطاء بين العبد والرب إلا العمل الصالح الذي يرضى الله عنه فيرضى عن صاحبه، وان من أعظم القربات إلى الله الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي إلى تقويم المجتمع إذا انحرف عن السبيل... وكان من نتيجة هذا الانحراف العقدي ألوان من شرك العبادة من جهة، وتعلق بالأوهام والخرافات من جهة، وتركٌ للعمل الإيجابي الذي يجري الله به التغيير في الأرض بحسب سنته الجارية، تطلعا إلى خارقة تتحقق على يد"وليّ"من أولياء الله تنحل بها المشاكل بلا تعب ولا نصب ولا انشغال بال!