فهرس الكتاب

الصفحة 997 من 4557

ولكن هذه كما قلت مرحلة من مراحل"التطور"!.. ولها بعد نتائجها.. الحتمية!

لقد انفصلت الأخلاق في الغرب عن معينها الأصلي. معين الدين. فكيف صارت؟

قامت السياسة بادئ ذي بدء على غير أساس أخلاقي!

في الداخل.. صارت"الطبقة"التي تحكم تشرع لصالحها هي على حساب بقية الطبقات. وظن"علماء"السياسة والاقتصاد هناك أن هذه حتمية"اقتصادية"! وليست حتمية اقتصادية في الواقع. ولكنها تصبح حتمية حين تنفصل السياسة عن مبادئ الدين.. فتصبح السياسة بلا أخلاق! وحين كان المسلمون مسلمين لم تكن هناك طبقة حاكمة تشرع لصالحها. وإنما كان الحكام ينفذون مبادئ الدين التي تقضي بالعدالة بين الجميع!

وفي الخارج.. كانت السياسة الغربية كلها خداعا واحتيالا وغشا ونصبا وسرقة وغصبًا وامتصاصًا للدماء! وظن"علماء"السياسة والاقتصاد هناك أن هذه أيضًا حتمية اقتصادية! وإنما هي نتيجة حتمية لانفصال السياسة عن مبادئ الدين! وحين كان المسلمون مسلمين كانت"السياسة"الخارجية هي الصدق والأمانة في السلم وفي الحرب سواء. ومحافظة المسلمين على عهودهم ومواثيقهم مضرب المثل في التاريخ! يقول"ت. و. أرنولد في كتابه"الدعوة إلى الإسلام" [ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرين، ص 58 من الترجمة العربية] :"كذلك حدث أن سجل في المعاهدة التي أبرمها أبو عبيدة مع بعض أهالي المدن المجاورة للحيرة: فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا"ثم قال:".. فلما علم أبو عبيدة قائد العرب بذلك (أي بتجهيز هرقل لمحاربته) كتب إلى عمال المدن المفتوحة في الشام يأمرهم بأن يردوا عليهم ما جنى من الجزية من هذه المدن، وكتب إلى الناس يقول: إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه بلغنا ما جمع لنا من الجموع. وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك. وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم. ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله عليهم". وهذا هو الإسلام!"

ثم انفصل السلوك الجنسي عن الأخلاق! وقال الناس هنا وهناك إن هذا"تطور"!

وقد بينا في كل الفصول السابقة أنه ليس"تطورا"وإنما هو انحلال. ولا نحتاج أن نعيد هنا ما قلناه من قبل من آثار الهبوط الجنسي والإباحية الحيوانية في المجتمع الغربي.. فيكفينا في هذا شهادة القرن العشرين، التي أدلى بها الغربيون أنفسهم، وشكوا فيها من انحطاط تلك"الأخلاق". إنما يعنينا أن نبرز حركة"التطور"المستمرة، الناشئة من انفصال الأخلاق في الغرب عن معينها الأصلي.. معين الدين. وكيف يشمل الفساد جزءًا منها بعد جزء.. لسبب واحد.. هو أنها انفصلت عن ذلك المعين!

إن الذي يزيغ أبصار الناس هنا وهناك.. أن هذا الفساد الخلقي في شئون الجنس - الذي نشأ من ابتعاد المفاهيم الخلقية عن مفاهيم الدين - قد وقف عند هذا الحد، ولم يسر إلى بقية شئون الأخلاق! فماذا علينا إذن - ما دام هذا - ولنسمه الفساد - تطورًا"حتميًا!"، ماذا علينا أن نبيح هذا الفساد الذي لن نستطيع أن نقوِّمه أو نقف في وجهه، ما دامت بقية الكيان الخلقي ما زالت سليمة، والتعامل مستقيما ونظيفًا لم يمسسه السوء؟!

إن الشاب والفتاة في الغرب منحلان خلقيا في شأن الجنس [بمقاييسنا نحن!] ولكنهما ما زالا نظيفي التعامل. لا غش. ولا كذب ولا خداع. واستقامة في الخلق والضمير. وإخلاص في العمل وإتقان.. فماذا نخسر لو جاريناهم وماذا نكسب من دعوى الرجوع إلى الدين؟!

حتى في هذا.. نعود إلى شهادة القرن العشرين!

أين هي"الأخلاق"في الجيل الناشئ في الغرب اليوم؟!

عصابات الخطف والنهب والسرقة والإجرام.. وعصابات الحشيش والأفيون. هل هذه هي الأخلاق؟!

عصابات تيسير الطلاق، التي توقع الأزواج أو الزوجات في جريمة الزنا، ثم تضبطهم متلبسين، لتيسر على الطرف الآخر أن يطلب الطلاق ويقدم الأسباب. والتي يقوم بها أطباء ومحامون.. هل هذه هي الأخلاق؟!

بيع أسرار الدولة العسكرية لأعدائها مقابل تلبية الشذوذ الجنسي.. هل هذه هي الأخلاق؟!

إنها ليست"حالات فردية"مما يوجد في كل مجتمع ولا يلفت إليه الأنظار! إنها ظاهرة اجتماعية تجتمع لها المؤتمرات لتدرسها وتحققها. وتنبه إلى خطورتها!

ثم.. هي آخذة في الازدياد!

حتى الأخلاق"البسيطة"جدًا.. التي كانت مضرب الأمثال في الغرب:"الأمانة"في الترام والأتوبيس وعدم"التزويغ"من دفع أجرة الركوب! حتى هذه! صار الجيل الناشئ في أوربا يهرب منها ويخالفها!

قالوا.. هذا أثر الحرب!

وربما كان كذلك! وحقًا إن هذه ليست - بعد - الصورة الغالبة للمجتمع الغربي! ولكنها في طريقها إلى الازدياد.. ومن هنا خطورتها. ومن هنا دلالتها.

كلا! ليست الحرب!

لقد خاض العالم الإسلامي حروبا جمة.. ولقد عاش نصف القرن الأول في حرب دائمة لا تفتر! ومع ذلك فقد كان نصف القرن هذا بالذات هو الفترة التي ترسخت فيها أخلاق الإسلام، وانتشرت في كل مكان وطئته جنود الإسلام!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت