وهي كذلك التي أدت إلى الحركات التحريرية الكبرى ومن بينها الماجنا كارتا وإعلان حقوق الإنسان.
وكانت - إلى جانب ذلك - ذات أثر كبير في الأخلاق الأوربية. فقد أخذ الصليبيون - المنهزمون - عن المسلمين - الظافرين - كثيرًا من أخلاقهم الشخصية من صدق وأمانة وإخلاص وتماسك وترابط وتحاب ومودة وتعفف عن الدنايا.. وقد كانوا - في أثناء إقامتهم مع المسلمين في الشام - يرون كيف كان التاجر المسلم إذا جاء وقت الصلاة يترك متجره - مفتوحًا - ويذهب إلى المسجد يؤدي فريضته ثم يعود فلا يسرقها سارق! ويرون كيف يحترم الصغير الكبير، وكيف يتفشى"السلام"بين الناس سواء بالتحية بالفم أو في واقع المجتمع.. كما كانوا يرون دقة أصحاب الصنايع وإتقانهم أعمالهم والإخلاص فيها، وكيف كانت"ذمة"التاجر المسلم رأس ماله الأول، يعد ويفي ويضبط الميعاد!
بهذه الأمور كلها تأثرت الحياة الأوربية إلى جانب الحركة العلمية الكبرى التي نشأت من انتقال المذهب التجريبي من مدارس الأندلس ومدارس الشرق إلى الغرب الأوربي...
وخلاصة هذا الأمر أن الأخلاق الأوربية ذات أصل ديني مسيحي وإسلامي على السواء!
... ولقد وقعت الفجوة بين الدين والحياة في أوربا.. للأسباب التي ذكرناها.
وكانت جفوة تدريجية بطيئة استغرقت بضعة قرون حتى وصلت ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وفي أثناء هذه الجفوة تنكر الناس للدين، وفصلوه عن كل القيم النافعة في الحياة!
فصلوه عن العلم.. فنشأت حركة إحياء العلوم على أساس لا ديني.. بل على أسس مناهضة للدين.
وفصلوه عن المجتمع.. فجاء النمو الاجتماعي الحديث على أساس لا ديني (secular) إن لم يكن على أسس معادية للدين.
وفصلوه عن الأخلاق!
قالوا: إن الأخلاق جميلة نعم.. ولكن ليس من الضروري أن نأخذها من تعاليم الدين فلنجعلها قائمة بذاتها، تستمد من"الواقع"أو من"العقل"أو من"الضمير الاجتماعي". أو من أي معين إلا الدين! [ولا يدخل في هذا الشأن الأخلاق الجنسية.. فهذه قضوا عليها نهائيًا بتوجيه الشياطين!] .
وهكذا بقيت لأوربا أخلاق.. لكن بغير عنوان الدين!
وقد كانت الجفوة من الشدة والعنف بحيث لم تفصل فقط بين الدين والأخلاق.. بل قد نفّرت الناس تنفيرًا من أن يربطوا أي ربط بين الدين والأخلاق.. بل إلى إنكار وجود رابط بينهما على الإطلاق.. بل إلى الإصرار على رفض الأخلاق إن كانت تلبس ثوب الدين، وعدم قبولها إلا أن كانت مفصولة عن الدين واقفة له بالمرصاد!
نعم، يجب أن تكون لنا أخلاق.. ولكن حذار حذار من ربطها بالدين. وإلا تركناها لكم بأجمعها وصرنا لا أخلاقيين! كما أصبحنا من قبل لا دينيين!
وزيادة في التحذير والتنفير تنشأ"مذاهب"كالوجودية تناقش"الأخلاق"من حيث المبدأ، وتقول: لا أخلاق! فما أراه"أنا"خيرًا فهو خير.. وما أراه شرًا فهو شر!
ولكن هذه مرحلة في"التطور"!
والذين يظنون أنها يمكن أن تقوم إلى الأبد هم الذين ينظرون إلى رقعة صغيرة من التاريخ! الذين ينظرون إلى عقرب الساعات في الساعة بضع دقائق، ثم يقولون إنه لا يتحرك من مكانه ولا يريم!
لقد بقيت الأخلاق الأوربية - النابعة من المعين الديني - بقيت فترة من الزمن وهي منفصلة عن معينها الأصلي، تسير بقوة الدفع الذاتية، بغير عنوان الدين.
ظلت أوربا فترة من الزمن"نظيفة"الأخلاق، تتعامل على استقامة.. لا يخدعك الغربي ولا يغشك في المعاملات اليومية الفردية. لا يقول لك كلاما ويقصد كلامًا آخر. لا يقدم لك البضاعة المزورة. لا يعطيك الوعد ويخلفه... إلا في السياسة!
وقال الناس - هنا في الشرق الإسلامي: لا تحتجوا على الغرب بالسياسة.. فالسياسة خدعة! ولكن انظروا إلى التعامل الشخصي. إنها بالضبط الأخلاق التي تنسبونها للإسلام! ولكنها هناك واقع عملي. يربى عليه الطفل فيتشربه، ويربى عليه المجتمع فيصونه! إنها ليست نظريات كالتي تقدمونها باسم الإسلام! ليست مواعظ! إنها حقائق تربوية ضخمة. يبذل فيها جهد دائب لتربية الطفل عليها منذ مولده. يربيه عليها والداه في المنزل، والمدرسون في المدرسة، والواقع الخارجي في المجتمع.. فتتأصل.
الوالدان بذاتهما قدوة.. لا تكذب الأم أمام الطفل ولا الأب فلا يشاهد الطفل الكذب أمام عينيه. فيتعود الصدق من الواقع الموجود في الأسرة. ثم يذهب إلى المدرسة فلا تكذب عليه المدرسة ولا المدرس. ويخرج للمجتمع فيجد الصدق حقيقة.. فينشأ صادقا لا يكذب.
والأمانة كذلك. لا تغش الأم ولا الأب. ولا المدرسة ولا المدرس. ولا الناس في المجتمع. فتصبح الأمانة في نفس الطفل حقيقة.. حقيقة ذات رصيد من الواقع.
وكذلك كل آداب السلوك..
وبهذه الصورة تنشأ كل"الفضائل"التي نفتقدها في الشرق"الإسلامي". إنها هناك حقيقة ولدينا نحن خواء ومواعظ دينية!
وهم هنالك يصنعونها لا باسم الدين.. وتفلح! ونحن هنا نعظ إليها باسم الدين.. فلا تنجح!
حقا.. هذا هو الوجه الظاهر من القضية..