فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 4557

هذا واقع ينبغي تبين أسبابه، لتتضح القضية في أذهاننا على حقيقتها، وتتضح الصلة بين المقدمات التي قدمناها كلها وبين الواقع.. وإلا فقدت دلالتها الحقيقية وأصبحت غير ذات موضوع!

هذا الواقع.. حقيقةٌ مضللة!

وظاهر هذه الحقيقة يقول: هناك دين بلا نظافة [في الشرق] ونظافة بلا دين [في الغرب] .

وباطن الحقيقة ليس كذلك!

والمرجع هو التاريخ...

إن أوربا اليوم ليست متدينة.. بمعنى أن الدين لا يحكم الحياة. لا يحكم واقع المجتمع، ولا يحكم الاقتصاد والسياسة، ولا يحكم التعليم، ولا يحكم التوجيه الفكري للناس. وإن كان - فيما عدا هذا - قد يسيطر على مشاعر الناس لحظات في داخل الكنيسة، أو الاحتفال بقديس من القديسين أو.. في التأثر ببعض الأساطير!!

ولكنها دون شك لم تكن كذلك قبل قرون..

يومئذ كانت العقيدة في النفوس أرسخ، وتوجيهها للحياة أشد..

وربما لم تكن أوربا في يوم من الأيام مسيحية بكل معنى الكلمة. فقد ظلت في أعماق الضمير الأوربي - تحت القشرة المسيحية - رواسب عميقة من آثار الفكر اليوناني والحضارة الرومانية الوثنيين، يوجهان جوانب من الحياة الأوربية بوعي أو بغير وعي.. ولكن هذا لا ينفي أن العقيدة المسيحية كانت هي الغالبة في القرون الوسطى.

ثم ضاق الناس بكنيستهم لأسباب عدة:

كانت الكنيسة قوة طاغية غاشمة تفرض على الناس الإتاوات والعشور وترهقهم من أمرهم عسرًا.

وكانت تفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين.

وتفرض عليهم أفكارًا"علمية"مزيفة، باسم أنها كلمة السماء. فإذا أثبت العلم التجريبي والنظري كذبها راحت الكنيسة تحرق العلماء وتعذبهم كما فعلت بكوبرنيكوس وجاليليو وجوردانو برونو لأنهم لم يوافقوا على نظريتها في شكل الأرض ومركزها من الكون.

إلى جانب ذلك مهزلة صكوك الغفران التي تحول الدين إلى سخرية لاهية ضخمة، وتنزع عنه كثيرًا من جديته وقداسته.. وكذلك الفسد الخلقي الذريع الذي كان يمارسه"رجال الدين!"متسترين وراء مسوح الرهبان، مما يعف عنه الفرد العادي غير المتمسك بأهداب الدين!

كل ذلك أحدث انفصامًا بين الدين وحياة الناس.. وعزل الدين من الواقع الحي إلى داخل الوجدان.

ثم حدث حادث ضخم في الحياة الأوربية ترتبت عليه آثار في غاية الخطورة. وهو الحروب الصليبية.

ففي تلك الحروب التي انهزم فيها الأوربيون - المسيحيون - في كل حرب تقريبا، وفي النهاية الحاسمة كذلك - تيقظ أولئك الغربيون إلى أمر حاسم: لا بد أن يكون في حياتهم أخطاء واختلالات أدت بهم إلى الهزيمة المنكرة، ولا بد أن يكون في حياة المسلمين من أسباب السلامة والقوة ما مكنهم من الانتصار.

ومن هذه اليقظة تولدت"النهضة"الأوربية.. في كل مجال.

نهضة علمية، واجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وفكرية، وروحية.. الخ.

"لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية [148] . على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج.. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا، لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام. ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوربا الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية. فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون، وأهم ما تكون، في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة متميزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره: أي في العلوم الطبيعية، وروح البحث العلمي". [بريفولت في كتاب"بناء الإنسانية Making of Humanity"] .

وعلى الرغم من اهتمام الرجل بالعلوم، وروح البحث العلمي - وما لهذا من دلالة في النهضة الأوربية المعاصرة - فإنه لم يغفل الحقيقة الأوسع مدى وهي أنه"ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة".

وليس هنا مجال التفصيل في هذا الشأن.. فذلك تتولاه بحوث التاريخ.

ولكنا نقول في إيجاز شديد إن الحروب الصليبية هي التي وجهت أوربا إلى إنشاء نظام"الأمة"بعد أن كانت إقطاعيات يحكم كلا منها إقطاعي تتمثل في شخصه السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويستعبد الناس في الأرض.. وقد وجد الصليبيون في العالم الإسلامي"أمة"تحكمها حكومة مركزية موحدة ويسري فيها قانون واحد يطبق على الجميع بالسوية.. فنقلوا هذا النظام إلى بلادهم فصارت أمما ودولا بعد أن كانت إقطاعيات. وتحطم النظام الإقطاعي وتحرر عبيد الأرض ليصيروا أحرارًا كالمسلمين.

والحروب الصليبية وما تلاها من الاحتكاك بالفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية هي التي أدت إلى الثورة الدينية على الكنيسة، التي قام بها مارتن لوثر وكالفن في أوربا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت