فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الثانى: أن تكون الآية أو الآيات محفوظة حفظًا مطابقًا لما في مصحف أبى بكر عند رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأقل . فلا يكفى حفظ الرجل الواحد ، ولا يكفى وجودها في مصحف أبى بكر ، بل لابد من الأمرين معًا:
1-وجودها في مصحف أبى بكر .
2-ثم سماعها من حافظين ، أى شاهدين ، وقد استثنى من هذا الشرط أبو خزيمة الأنصارى ، حيث قام حفظه مقام حفظ رجلين في آية واحدة لم توجد محفوظة إلا عند أبى خزيمة ، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين عدلين .
قام هذا الفريق ، وفق هذا المنهج المحكم ، بنسخ القرآن ،لأول مرة ، في مصحف واحد ، وقد أجمع عليه جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعارض عثمان منهم أحدًا ، حتى عبد الله بن مسعود ، وكان له مصحف خاص كتبه لنفسه ، لم يعترض على المصحف"الجماعى"الذى دعا إلى كتابته عثمان رضى الله عنه ، ثم تلقت الأمة هذا العمل الجليل بالرضا والقبول ، في جميع الأقطار والعصور .
ونسخ من مصحف عثمان ، الذى سمى"المصحف الإمام"بضعة مصاحف ، أرسل كل مصحف منها إلى قطر من أقطار الإسلام ، مثل الكوفة والح
جاز ، وبقى المصحف الأم في حوزة عثمان رضى الله عنه ، ثم عمد عثمان إلى كل ماعدا"المصحف الإمام"من مصاحف الأفراد المخالفة أدنى مخالفة للمصحف الإمام ، ومنها مصحف الصحابى الجليل ابن مسعود وأمر بحرقها أو استبعادها ؛ لأنها كانت تحتوى على قراءات غير صحيحة ، وبعضها كان يُدخل بعض عبارات تفسيرية في صلب الآيات أو في أواخرها .
الفرق بين الجمعين
من نافلة القول ، أن نعيد ما سبق ذكره ، من أن أصل الجمعين اللذين حدثا في خلافتى أبى بكر وعثمان رضى الله عنهما كان واحدًا ، هو الوثائق الخطية التى حررت في حضرة النبى صلى الله عليه وسلم إملاءً من فمه الطاهر على كتبة الوحى ، ثم تلاوتهاعليه وإقرارها كما تليت عليه هذه الوثائق لم تدخل عليها أية تعديلات ، وهى التى نراها الآن في المصحف الشريف المتداول بين المسلمين .
وكان الهدف من الجمع الأول في خلافة أبى بكر رضى الله عنه هو جمع تلك الوثائق المتفرقة في مكان واحد منسقة السور والآيات ، دون نقلها في مصحف حقيقى جامع لها . فهذا الجمع بلغة العصر مشروع جمع لا جمع حقيقى في الواقع .
ولهذا عبَّر عنه أحد العلماء بأنه أشبه ما يكون بأوراق وجدت متفرقة في بيت النبى فربطت بخيط واحد ، مانع لها من التفرق مرة أخرى .
أما الجمع في خلافة عثمان رضى الله عنه فكان نسخًا ونقلًا لما في الوثائق الخطية ، التى حررت في حياة النبى عليه الصلاة والسلام وأقرها بعد تلاوتها عليه ، وجمعها في مصحف واحد في مكان واحد . وإذا شبهنا الوثائق الأولى بقصاصات ورقية مسطر عليها كلام ، كان الجمع في خلافة عثمان هو نسخ ذلك الكلام المفرق في القصاصات في دفتر واحد .
أما الهدف من الجمع في خلافة عثمان فكان من أجل الأمور الآتية:
1-توحيد المصحف الجماعى واستبعاد مصاحف الأفراد لأنها لم تسلم من الخلل . وقد تم ذلك على خير وجه .
2-القضاء على القراءات غير الصحيحة ، وجمع الناس على القراءات الصحيحة ، التى قرأ بها النبى عليه الصلاة والسلام في العرضة الأخيرة على جبريل في العام الذى توفى فيه .
3-حماية الأمة من التفرق حول كتاب ربها . والقضاء على التعصب لقراءة بعض القراء على قراءة قراء آخرين .
وفى جميع الأزمنة فإن القرآن يؤخذ سماعًا من حُفَّاظ مجودين متقنين ، ولا يؤخذ عن طريق القراءة من المصحف ؛ لإن الحفظ من المصحف عرضة لكثير من الأخطاء ، فالسماع هو الأصل في تلقى القرآن وحفظه . لأن اللسان يحكى ما تسمعه الأذن ، لذلك نزل القرآن ملفوظًا ليسمع ولم ينزل مطبوعًا ليُقرأ .
فالفرق بين الجمعين حاصل من وجهين:
الوجه الأول: جمع أبى بكر رضى الله عنه كان تنسيقًا للوثائق الخطية التى حررت في حياة النبى عليه الصلاة والسلام على صورتها الأولى حسب ترتيب النزول سورًا وآيات .
وجمع عثمان رضى الله عنه كان نقلًا جديدًا لما هو مسطور في الوثائق الخطية في كتاب جديد ، أطلق عليه"المصحف الإمام".
أما الوجه الثانى فهو من حيث الهدف من الجمع وهو في جمع أبى بكر كان حفظ الوثائق النبوية المفرقة في نسق واحد مضمومًا بعضها إلى بعض ، منسقة فيه السور والآيات كما هى في الوثائق ، لتكون مرجعًا حافظًا لآيات الذكر الحكيم .
وهو في جمع عثمان ، جمع الأمة على القراءات الصحيحة التى قرأها النبى صلى الله عليه وسلم في العرضة الأخيرة على جبريل عليه السلام .
أما المتون (النصوص) التى نزل بها الوحى الأمين فظلت على صورتها الأولى ، التى حررت بها في حياة النبى عليه الصلاة والسلام .