فهرس الكتاب

الصفحة 1089 من 4557

وليس في هذا مطعن لطاعن ؛ لأنّاَ نقول كما قلنا في نظائره من قبل إنها وسائل إيضاح وتوجيه لقرَّاء القرآن الكريم توضع خارج كلمات الوحى لا في متونها ، وتؤدى خدمة جليلة للنص المقدس مقروءًا أو متْلُوًّا .

ولا يدعى مسلم أنها لها قداسة النص الإلهى ، أو أنها نازلة من السماء بطريق الوحى الأمين .

والمستشرقون الذين يشاركون المبشرين (20) فى تَصيُّد التهم للقرآن ، ينهجون هذا النهج"التنسيقى"فى أعمالهم العلمية والفكرية، وبخاصة في تحقيق النصوص فيضعون الهوامش والملاحق والفهارس الفنية لكل

ما يقومون بتحقيقه من نصوص التراث . ولهم مهارة فائقة في هذا المجال ، ولم نر واحدًا منهم ينسب هذه الأعمال الإضافية إلى مؤلف النص نفسه ، كما لم نر أحدًا منهم عدَّ هذه الإضافات تعديلًا أو تحريفًا أو تغييرًا للنص الذى قام هو بتحقيقه وخدمته .

بل إنه يعد هذه الأعمال الإضافية وسائل إيضاح للنص المحقق . وتيسيرات مهمة للقراء .

وهذا هو الشأن في عمل السلف رضى الله عنهم في تنسيق المصحف الشريف ، وهو تنسيق لا مساس له ب"قدسية الآيات"لأنها وضعت في المصحف على الصورة التى رُسِمَتْ بها بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

تاريخ القرآن (21)

هذا هو تاريخ القرآن ، منذ نزلت أول سورة منه ، إلى آخر آية نزلت منه ، كان كتابًا محفوظا في الصدور ، متلوًّا بالألسنة ، مسطورًا على الرقاع ، ثم مجموعًا في مصاحف ، لم يخضع لعوامل محو وقرض، ولا آفات ضياع ، وضعته الأمة فى"أعينها"منذ نَزَلَ فلم يضل عنها أو يغب ، ولم تضل هى عنه أو تغب ، تعرف مصادره وموارده ، على مدى عمره الطويل ، تعرفه كما تعرف أبناءها ، بلا زيغ ولا اشتباه .

هذا هو تاريخ القرآن ، وضعناه وضعًا موجزًا ، لكنه مُلِمٌّ بمعالم الرحلة ، كاشفًا عن أسرارها . وضعناه لنقول لخصوم القرآن والإسلام:

هل في تاريخ القرآن ما يدعو إلى الارتياب فيه ، أو نزع الثقة عنه ؟

وهل أصاب آياته المحكمة خلل أو اضطراب ؟

وهل رأيتموه غاب لحظة عن الأمة، أو الأمة غابت عنه لحظة؟

وهل رأيتم فيه جهلًا بمصدره ونشأته وتطور مراحل جمعه وتدوينه ؟ أو رأيتم في آياته تغييرًا أو تبديلًا ؟

تلك هى بضاعتنا عرضناها في سوق العرض والطلب غير خائفين أن يظهر فيها غش أو رداءة ، أو تصاب ببوار أو كساد من منافس يناصبها العداء .

هذا هو ما عندنا . فما هو الذى عندكم من تاريخ الكتاب المقدس بعهديه (22) .

القديم (التوراة) التى بين أيدى اليهود الآن ، والجديد (الأناجيل) التى بين أيدى النصارى الآن .

ما الذى تعرض له الكتاب المقدس في تاريخه الأول المقابل لفترة تاريخ القرآن ، التى فرغنا من عرضها ؟

تعالوا معنا نفحص تلك الفترة من تاريخ الكتاب المقدس في رحلته المبكرة:

مولد التوراة وتطورها:

يضطرب أهل الكتاب عامة ، واليهود خاصة حول تاريخ التوراة (مولدها وتطورها) اضطرابًا واسع المدى ويختلفون حولها اختلافًا يذهبون فيه من النقيض إلى النقيض ، ولهذا عرضوا لتاريخ القرآن بالطعن والتجريح ليكون هو والتوراة سواسية في فقد الثقة بهما ، أو على الأقل ليُحرجوا المسلمين بأنهم لا يملكون قرآنًا مصونًا من كل ما يمس قدسيته وسلامته من التحريف والتبديل . وقد عرضنا من قبل تاريخ القرآن ، وها نحن نعرض تاريخ التوراة حسبما هو في كتابات أهل الكتاب أنفسهم ، مقارنًا بما سبق من حقائق تاريخ القرآن الأمين .

الكتاب المقدس بعهديه: القديم والجديد تتعلق به آفتان قاتلتان منذ وجد ، وإلى هذه اللحظة التى نعيش فيها:

آفة تتعلق بتاريخه متى ولد ، وعلى يد من ولد ، وكيف ولد ، ثم ما هو محتوى الكتاب المقدس ؟ وهل هو كلام الله ، أم كلام آخرين ؟ (23) .

والمهم في الموضوع أن هذا الغموض في تاريخ الكتاب المقدس لم يثره المسلمون ، بل أعلنه أهل الكتاب أنفسهم يهودًا أو نصارى ممن اتسموا بالشجاعة ، وحرية الرأى ، والاعتراف الخالص بصعوبة المشكلات التى أحاطت بالكتاب المقدس ، مع الإشارة إلى استعصائها على الحلول ، مع بقاء اليهودية والنصرانية كما هما .ومعنى العهد عند أهل الكتاب هو"الميثاق"والعهد القديم عندهم هو ميثاق أخذه الله على اليهود في عصر موسى عليه السلام ، والعهد الجديد ميثاق أخذه في عصر عيسى عليه السلام (24) .

والمشكلتان اللتان أحاطتا بالكتاب المقدس يمكن إيجازهما في الآتى:

-مشكلة أو أزمة تحقيق النصوص المقدسة ، التى تمثل حقيقة العهدين .

-مشكلة أو أزمة المحتوى ، أى المعانى والأغراض التى تضمنتها كتب (أى أسفار) العهدين ، وفصولهما المسماة عندهم ب"الإصحاحات".

والذى يدخل معنا في عناصر هذه الدراسة هو المشكلة أو الأزمة الأولى ؛ لأنها هى المتعلقة بتاريخ الكتاب المقدس دون الثانية .

متى ؟ وعلى يد مَنْ ولدت التوراة:

هذا السؤال هو المفتاح المفضى بنا إلى إيجاز ما قيل في الإجابة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت