فهرس الكتاب

الصفحة 1117 من 4557

وركزوا كل التركيز على تكرار القصص في القرآن وذكروا بعض القصص الذى تكرر ، مع الإشارة إلى مواضعه في سور القرآن ، كما ذكروا تكرار بعض العبارات والجمل.

ولغوا لغوًا كثيرًا ، حول تكرار قصة آدم في القرآن ، وقالوا إنها تكررت خمس مرات. ونحن نقول بل تكررت سبع مرات.

كما فعلوا الشىء نفسه مع التكرار الوارد في سورة"الرحمن"وادعوا أن القرآن إذا حُذف منه المكرر لم يبق منه إلا ما يملأ كراسة واحدة.

لذلك فإننا في الرد عليهم سنقف وقفة متأنية ، نلقنهم فيها درسًا بليغًا حول التكرار الوارد في القرآن المحفوظ وبخاصة في سورة الرحمن ، وتكرار قصة آدم (فى مواضع سبعة. لنقيم الحجة لله.

* الرد على هذه

الشبهة:

يقع التكرار في القرآن الكريم على وجوه:

مرة يكون المكرر أداة تؤدى وظيفة في الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين.

وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع ، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.

فاصلة تكرر في سورة واحدة على نمط واحد.

قصة تتكرر في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة وعرض الفكرة.

بعض الأوامر والنواهى والإرشادات والنصح مما يقرر حكمًا شرعيًّا أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب في خير أو ينفر من شر.

وتكرار القرآن في جميع المواضع التى ذكرناها ، والتى لم نذكرها مما يلحظ عليها سمة التكرار. في هذا كله يباين التكرار القرآنى ما يقع في غيره من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفًا للنقد والطعن. لأن التكرار رخصة في الأسلوب إذا صح هذا التعبير والرخص يجب أن تؤتى في حذر ويقظة.

* وظيفة التكرار في القرآن:

مع هذه المزالق كلها جاء التكرار في القرآن الكريم محكمًا. وقد ورد فيه كثيرًا فليس فيه موضع قد أخذ عليه دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات ؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدى وظيفتين:

أولاهما: من الناحية الدينية.

ثانيهما: من الناحية الأدبية.

فالناحية الدينية باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه ، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.

أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه في جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها في معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذى أثبتناه في صدر هذا البحث.

* تكرار الأداة:

ومن أمثلتها قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحِيِم) (1) .

(ثم إن ربك للذيِن عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) (2) .

والظاهر من النظر في الآيتين تكرار"إنَّ"فيهما. وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب"إنَّ"الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو في الموضعين أعنى الخبر"لغفور رحيم"لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت"إنَّ"مرة أخرى.ولهذه المخالفة سبب.

وهذا السبب هو طول الفصل بين"إنَّ"الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله"إنَّ"وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.

على أن هناك وظيفة أخرى هى: لو أن قارئًا تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما"إنَّ"ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلق وضعف في الأولى ، وتناسق وقوة في الثانية.

ومن أجل هذا الطول كررت في قول الشاعر (3) :

وإن امرأً طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ *** عَلَى مِثْلِ هَذاَ إنَّهُ لَكَرِيمُ

يقول ابن الأثير رائيًا هذا الرأى: ".. فإذا وردت"إنَّ"وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة"إنَّ"أحسن في حكم البلاغة والفصاحة كالذى تقدّم من الآيات " (4) .

* تكرار الكلمة مع أختها:

ومن أمثلتها قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون) (5) .

فقد تكررت"هم"مرتين ، الأولى مبتدأ خبرها:"الأخسرون". والثانية ضمير فصل جئ به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهى: هُمْ الأولى بالأخسرية.

وكذلك قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (6) .

تكررت هنا"أولئك"ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسنًا وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكمًا عامًّا على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال في أعناقهم.

والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذى لا يعقبه خروج منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت