فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن أقطع الأدلة على ذلك ما حكاه الله عن عيسى عليه السلام في قوله لبنى إسرائيل: (ولأحل لكم بعض الذى حُرِّم عليكم) (6) .
وفى أناجيل النصارى طائفة من الأحكام التى ذكروها وفيها نسخ لأحكام كان معمولًا بها في العهد القديم.
ومثيروهذه الشبهات ضد القرآن يعرفون جيدًا وقوع النسخ بين بعض مسائل العهد القديم والعهد الجديد. ومع هذا يدعون بإصرار أن التوراة والأناجيل الآن متطابقان تمام الانطباق (7) .
ومن هذا القسم أيضًا الآيتان الآتيتان:
(يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (8) .
وقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) (9) .
والآيتان فيهما نسخ واضح. فالآية الأولى توجب مواجهة المؤمنين لعدوهم بنسبة (1: 10) ، والآية الثانية توجب مواجهة المؤمنين للعدو بنسبة (1: 2) .
وهذا التطور التشريعى قد بين الله الحكمة التشريعية فيه ، وهى التخفيف على جماعة المؤمنين في الأعباء القتالية فما الذى يراه عيبًا فيه خصوم الإسلام ؟
لو كان هؤلاء الحسدة طلاب حق مخلصين لاهتدوا إليه من أقصر طريق ، لأن الله عزوجل لم يدع مجالًا لريبة يرتابها مرتاب في هاتين الآيتين. لكنهم يبحثون عن"العورات"فى دين أكمله الله وأتم النعمة فيه ، ثم ارتضاه للناس دينًا.
وقد قال الله في أمثالهم:
(ولو نزلنا عليك كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (10) .
ومن هذا القسم أيضًا الآيتان الآتيتان:
(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصيةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج...) (11) .
وقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا...) (12) .
أجل ، هاتان الآيتان فيهما نسخ ؛ لأن موضوعهما واحد ، هو عدة المتوفى عنها زوجها.
الآية الأولى: حددت العدة بعام كامل.
والآية الثانية: حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال.
والمنسوخ حكمًا لا تلاوة هو الآية الأولى ، وإن كان ترتيبها في السورة بعد الآية الثانية.
والناسخ هو الآية الثانية ، التى حددت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال ، وإن كان ترتيبها في السورة قبل الآية المنسوخ حكمها.
وحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة هى التخفيف ، فقد استبعدت الآية الناسخة من مدة العدة المنصوص عليها في الآية المنسوخ حكمها ثمانية أشهر تقريبًا ، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف ، أدعى لامتثال الأمر ، وطاعة المحكوم به.. وفيه بيان لرحمة الله عز وجل لعباده. وهو هدف تربوى عظيم عند أولى الألباب.
القسم الثانى:
أما القسم الثانى ، فقد ذكروا فيه آيات على أن فيها نسخًا وهى لا نسخ فيها ، وإنما كانوا فيها حاطبى ليل ، لا يفرقون بين الحطب ، وبين الثعابين ، وكفى بذلك حماقة.
وها نحن نعرض نموذجين مما حسبوه نسخًا ، وهو أبعد ما يكون عن النسخ.
النموذج الأول:
(لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى) (13) .
(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (14) .
زعموا أن بين هاتين الآيتين تناسخًا ، إحدى الآيتين تمنع الإكراه في الدين ، والأخرى تأمر بالقتال والإكراه في الدين وهذا خطأ فاحش ، لأن قوله تعالى (لا إكراه في الدين) سلوك دائم إلى يوم القيامة.
والآية الثانية لم ولن تنسخ هذا المبدأ الإسلامى العظيم ؛ لأن موضوع هذه الآية"قاتلوا"غير موضوع الآية الأولى: (لا إكراه في الدين) .
لأن قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) له سبب نزول خاص. فقد كان اليهود قد نقضوا العهود التى أبرمها معهم المسلمون. وتآمروا مع أعداء المسلمين للقضاء على الدولة الإسلامية في المدينة ، وأصبح وجودهم فيها خطرًا على أمنها واستقرارها. فأمر الله المسلمين بقتالهم حتى يكفوا عن أذاهم بالخضوع لسلطان الدولة ، ويعطوا الجزية في غير استعلاء.
أجل: إن هذه الآية لم تأمر بقتال اليهود لإدخالهم في الإسلام. ولو كان الأمر كذلك ما جعل الله إعطاءهم الجزية سببًا في الكف عن قتالهم ، ولاستمر الأمر بقتالهم سواء أعطوا الجزية أم لم يعطوها ، حتى يُسلموا أو يُقتلوا وهذا غير مراد ولم يثبت في تاريخ الإسلام أنه قاتل غير المسلمين لإجبارهم على اعتناق الإسلام.
ومثيرو هذه الشبهات يعلمون جيدًا أن الإسلام أقر اليهود بعد الهجرة إلى المدينة على عقائدهم ، وكفل لهم حرية ممارسة شعائرهم ، فلما نقضوا العهود ، وأظهروا خبث نياتهم قاتلهم المسلمون وأجلوهم عن المدينة.
ويعلمون كذلك أن النبى (عقد صلحًا سِلْمِيًّا مع نصارى تغلب ونجران ، وكانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية ، ثم أقرهم عقائدهم النصرانية وكفل لهم حرياتهم الاجتماعية والدينية.
وفعل ذلك مع بعض نصارى الشام. هذه الوقائع كلها تعلن عن سماحة الإسلام ، ورحابة صدره ، وأنه لم يضق بمخالفيه في الدين والاعتقاد.
فكيف ساغ لهؤلاء الخصوم أن يفتروا على الإسلام ما هو برئ منه ؟
إنه الحقد والحسد. ولا شىء غيرهما ، إلا أن يكون العناد.
النموذج الثانى:
(يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (15) .
(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (16) .
والآيتان لا ناسخ ولا منسوخ فيهما. بل إن في الآية الثانية توكيدًا لما في الآية الأولى ، فقد جاء في الآية الأولى:"فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"
ثم أكدت الآية الثانية هذا المعنى: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فأين النسخ إذن ؟.
أما المنافع في الخمر والميسر ، فهى: أثمان بيع الخمر ، وعائد التجارة فيها ، وحيازة الأموال في لعب الميسر"القمار"وهى منافع خبيثة لم يقرها الشرع من أول الأمر ، ولكنه هادنها قليلًا لما كان فيها من قيمة في حياة الإنسان قبل الإسلام ، ثم أخذ القرآن يخطو نحو تحريمها خطوات حكيمة قبل أن يحرمها تحريمًا حاسمًا ، حتى لا يضر بمصالح الناس.
وبعد أن تدرج في تضئيل دورها في حياة الناس الاقتصادية وسد منافذ رواجها ، ونبه الناس على أن حسم الأمر بتحريمها آتٍ لا محالة وأخذوا يتحولون إلى أنشطة اقتصادية أخرى ، جاءت آية التحريم النهائى في سورة المائدة هذه: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) هذه هى حقيقة النسخ وحكمته التشريعية ، وقيمته التربوية ومع هذا فإنه نادر في القرآن.