فهرس الكتاب

الصفحة 1135 من 4557

وندعو القارئ أن يراجع النص الإنجيلى مرات ، وأن يتلو النصوص القرآنية مرات ، ويسأل نفسه هذا السؤال:

هل من الممكن علميًّا وعقليًّا أن يكون النص الإنجيلى مصدرًا لما ورد في القرآن الأمين ؟!

إن المقارنة بين هذه النصوص تسفر عن انفراد النصوص القرآنية بدقائق لا وجود لها في النص الإنجيلى. ومن أبرز تلك الدقائق ما يلى:

أولًا: في سورة آل عمران:

(أ) تقدم على قصة البشارة فى"آل عمران"قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها لله محررًا. وهذا لم يرد في النص الإنجيلى.

(ب) الإخبار بأنها ولدت أنثى"مريم"وكانت ترجو المولود ذكرا وهذا لم يأت في النص الإنجيلى.

(ج) كفالة زكريا للمولودة"مريم"ووجود رزقها عندها دون أن يعرف مصدره والله سبحانه وتعالى أعلم سؤاله إياها عن مصدره. وهذا بدوره لم يرد في النص الإنجيلى.

(د) القرآن يربط بين قصة الدعاء بمولود لزكريا وبين قصة مولودة امرأة عمران. وهذا لا وجود له في النص الإنجيلى.

(ه) دعاء زكريا منصوص عليه في القرآن وليس له ذكر في النص الإنجيلى.

ثانيًا: في سورة مريم:

(أ) ما رتبه زكريا على هبة الله له وليًّا ، وهو أن يرثه ويرث من آل يعقوب. ولم يرد هذا في النص الإنجيلى.

(ب) السبب الذى حمل زكريا على دعاء ربه وهو خوفه الموالى من ورائه والنص الإنجيلى يخلو من هذا.

(ج) كون زكريا أوحى لقومه بأن يسبحوا بكرة وعشيًّا. ولا وجود لهذا في النص الإنجيلى.

(د) الثناء على المولود"يحيى"من أنه بار بوالديه عليه سلام الله يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه حيًّا ورد في القرآن ولا مقابل له في النص الإنجيلى.

هذا كله جديد خاص بالقرآن لا ذكر له في سواه. وهذا يعنى أن القرآن قد صور الواقعة المقصوصة تصويرًا أمينًا كاملًا.

وهذه هى المهمة الأولى التى تعقب بها القرآن المهيمن ما ورد في الإنجيل المذكور.

وبقيت مهمة جليلة ثانية قام بها القرآن المهيمن نحو النص الإنجيلى ، كما قام بمثلها نحو النصوص التوراتية المتقدمة. وتلك المهمة هى: تصحيح الأخطاء التى وردت في النص الإنجيلى.

ومن ذلك:

(أ ) النص الإنجيلى يجعل الصمت الذى قام بزكريا عقوبة له من الملاك.

فصحح القرآن هذه الواقعة ، وجعل الصمت استجابة لدعاء زكريا ربه. وقد حرص على هذا النصان القرآنيان معًا. ففى آل عمران (قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا(وفى مريم: (قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (.

فالصمت فكان تكريما لزكريا عليه السلام من الله ، وليس عقوبة من الملاك ، وقد انساق بعض مفسرى القرآن الكريم وراء هذا التحريف الإنجيلى فقال: إن الصمت كان عقوبة لزكريا ، ولكن من الله لا من الملاك.

وها نحن نرفض هذا كله سواء كان القائل به مسلما أو غيرمسلم.

فما هو الذنب الذى ارتكبه زكريا حتى يعاقب من الله أو حتى من الملاك ؟!

هل إقراره بكبر سنه وعقر امرأته هو الذنب ؟!

لقد وقع هذا من إبراهيم عليه السلام حين بشر بإسحق ، ووقع من سارة حين بشرت به فلم يعاقب الله منهما أحدًا.

وقد وقع هذا من"مريم"حين بُشِّرَتْ بحملها بعيسى ولم يعاقبها الله عليه. فما السر في ترك إبراهيم وسارة ومريم بلا عقوبة وإنزالها بزكريا وحده مع أن الذى صدر منه صدر مثله تمامًا من غيره.

أفى المسألة محاباة..؟! كلا.. فالله لا يحابى أحدًا.

إن أكبر دليل على نفى هذا القول هو خلو النصوص القرآنية منه ، وليس هذا تعصبًا منا للقرآن. وإنما هو الحق ، والمسلك الكريم اللائق بمنزلة الرسل عند ربهم.

إن الصمت الذى حل بزكريا كان بالنسبة لتكليم الناس ، ومع هذا فقد ظل لسانه يلج بحمد الله وتسبيحه في العشى والإبكار كما نص القرآن الأمين.

(ب) النص الإنجيلى يحدد مدة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلى يوم أن ولد يحيى.

وهذا خطأ ثانٍ صححه القرآن المهيمن فجعل مدته ثلاثة أيام بلياليهن بعد الخروج من المحراب.

(ج) النص الإنجيلى يجعل البشارة على لسان ملاك واحد ، بينما النصان القرآنيان يجعلانها على لسان جمع من الملائكة: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب ) (13) .

(يا زكريا إنا نبشرك بغلام.. ) (14) .

وهذا خطأ ثالث وقع فيه النص الإنجيلى فصححه القرآن الأمين.

(د) النص الإنجيلى يجعل التسمبة ب"يحيى"يوحنا من اختيار زكريا بيد أن الملاك قد تنبأ بها.

وهذا خطأ رابع صححه القرآن الأمين فجعل التسمية من وحى الله إلى زكريا: (.. اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ) (15) .

(ه) النص الإنجيلى يقول:"إن زكريا حين جاءه الملاك وقع عليه خوف واضطراب".

وقد خلا النص القرآنى من هذا.. فدل خلوه منه على أنه لم يقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت