فهرس الكتاب

الصفحة 1161 من 4557

في قوله تعالى:"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ" [الطارق 5-10] ؛ الماء الدافق: تعبير وصفي للمني لأنه سائل تركيبه يماثل قطيرات الماء إلا أنه حي تتدفق تكويناته وتتحرك بنشاط ويصدق عليها الوصف بصيغة اسم الفاعل (دافق) لدلالته على الحركة الذاتية, وجميع الأوصاف عدا وصف الماء بالدافق تتعلق بالإنسان؛ لأن بدء خلقه هو محور الحديث والموضوع الرئيس وهو المستدل به على إمكان الإرجاع حيًّا, وضمير (له) في قوله تعالى"فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ"لا يستقيم عوده إلى الماء وإنما إلى الإنسان, وضمير (رجعه) في قوله تعالى:"إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ"الأظهر عوده إلى الإنسان والإرجاع هو إعادة الخلق للحساب بقرينة وقت الإرجاع"يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ", ولا توجد ضرورة لتشتيت مرجع الضمائر في"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ"و"خُلِقَ مِن مّآءٍ"و (رجعه) في"إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِر"و"فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ"ولذا الأولى عود ضمير (يخرج) في"يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ"إلى الإنسان كذلك مثلها, خاصة أن المني لا يخرج بذاته كذلك وإنما من الخصية, والوصف بالإخراج آية مستقلة كبيان متصل بأصل الحديث عن الإنسان, وبيان القدرة المبدعة وسبق التقدير وإمكان الإعادة أظهر في إخراج الذرية من ظهور الأسلاف, والتلازم قائم بين (إخراج) الإنسان للدنيا وليدًا و (إرجاعه) حيًّا بينما لا تلازم بين (إخراج) المني و (إرجاع) الإنسان, وخروج ذرية الإنسان من الظهر مُبَيَّن في قوله:"وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ" [الأعراف: 172] , وقوله:"أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ" [النساء: 23] , ولم يرد في القرآن فعل (الإخراج) متعلقًا بالمني بينما ورد كثيرا متعلقا بالإنسان لبيان خروجه للدنيا وليدًا وخروجه حيًّا للحساب, وللوجدان أن يقشعر من تلك الدقة المتناهية التي ميزت بين موضع تكون أعضاء إنتاج الذرية في الظهر وموضع خروجها على طريق هجرتها!.

قطاع عرضي يبين نشأة الغدة التناسلية في المنطقة الظهرية للجنين (الأسبوع 5-6)

وهجرة أصولها الخلوية بين بدايات العمود الفقري والضلوع قبل انفصالها وتميزها.

والحقيقة العلمية هي أن الأصول الخلوية للخصية في الذكر أو المبيض في الأنثى تجتمع في ظهر الأبوين خلال نشأتهما الجنينية ثم تخرج من الظهر من منطقة بين بدايات العمود الفقري وبدايات الضلوع ليهاجر المبيض إلى الحوض بجانب الرحم وتهاجر الخصية إلى كيس الصفن حيث الحرارة أقل وإلا فشلت في إنتاج الحيوانات المنوية وتصبح معرضة للتحول إلى ورم سرطاني إذا لم تُكمل رحلتها, والتعبير"يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ"يفي بوصف تاريخ نشأة الذرية ويستوعب كافة الأحداث الدالة على سبق التقدير والاقتدار والإتقان والإحكام في الخلق منذ تكوين البدايات في الأصلاب وهجرتها خلف أحشاء البطن ابتداءً من المنطقة بين الصلب والترائب إلى المستقر, وحتى يولد الأبوان ويبلغان ويتزاوجان وتخلق الذرية مما يماثل نطفة ماء في التركيب عديمة البشرية من المني لكنها حية تتدفق ذاتيًا لتندمج مع نطفة نظير فتتكون النطفة الأمشاج من الجنسين, ويستمر فعل الإخراج ساري المفعول ليحكي قصة جيل آخر لجنين يتخلق ليخرج للدنيا وليدًا وينمو فيغفل عن قدرة مبدعه, وكل هذا الإتقان المتجدد في الخلق ليشمل تاريخ كل إنسان قد عبر عنه العليم الحكيم بلفظة واحدة تستوعب دلالاتها كل الأحداث:"يَخْرُجُ", فأي اقتدار وتمكن في الخلق والتعبير!, ومع كل تلك المشاهد المتجددة والتقديرات المبدعة والقدرة المفزعة هل يرد مجرد هاجس على الخاطر: أنبعثُ حقًا ونُحَاسَب!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت