فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وصفَ القرآن الماء المعبر عن المني بالدافق مما يعني أنه حي التكوين فاعل تتسابق مكوناته في نشاط, وجرده من صفة البشرية بجعله مادة أولية يتخلق منها الإنسان, وهذا ما يطابق الحقيقة العلمية لأن الخلية البشرية الأولى التي تحتوي على العدد الكامل من الفتائل الوراثية المستمدة من الأبوين هي"البويضة الملقحة"في المصطلح الطبي الحديث أو"النطفة الأمشاج"في مصطلح القرآن, ولكن تلك الحقيقة العلمية كانت خفية طيلة قرون عديدة بعد نزول القرآن مما جعل المفسرين في حيرة أمام وصف المني ذاته بالفاعل, قال ابن تيمية:"لفظ الماء عند الإطلاق لا يتناول المني وإن كان يسمى ماء مع التقييد كقوله تعالى:"خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ" (1) ، وقال ابن كثير: (خلق من ماء دافق) يعني المني (2) ، وقال النيسابوري:"يحتمل أن يقال: أريد به ماء الرجل فقط؛ إما بناء على حكم التغليب وإما بناء على مذهب من لا يرى للمرأة ماء (أصلا) ولا سيما دافقا (3) ، وقال الثعالبي: و"دَافِقٍ"قال كثير من المفسرين هو بمعنى مدفوق (4) ، وقال النسفي:"والدفق صب فيه دفع والدفق في الحقيقة لصاحبه والإسناد إلى الماء مجاز" (5) ، وقال ابن القيم:"أخبر سبحانه أنه خلقه من ماء دافق, والدفق صب الماء يقال دفقت الماء فهو مدفوق ودافق.. فالمدفوق الذي وقع عليه فعلك.. والدافق قيل إنه فاعل بمعنى مفعول.., وقيل.. أي ذي دفق.., وقيل وهو الصواب انه اسم فاعل" (6) ، وقال أيضًا:"الدافق على بابه ليس فاعلا بمعنى مفعول كما يظنه بعضهم" (7) ، وقال الشوكاني:"خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ".. الماء هو المنى, والدفق الصب يقال دفقت الماء أي صببته, يقال ماء دافق أي مدفوق مثل عيشة راضية أي مرضية, قال الفراء والأخفش ماء دافق أي مصبوب في الرحم, قال الفراء وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم, كقولهم سر كاتم أي مكتوم وهم ناصب أي منصوب وليل نائم ونحو ذلك, وقال الزجاج من ماء ذي اندفاق (8) , وقال القرطبي:"مِن مّآءٍ دَافِقٍ"أي من المني, والدفق صب الماء, دفقت الماء أدفقه دفقا صببته فهو ماء دافق.."قال"الزجاج من ماء ذي إندفاق.. وهذا مذهب سيبويه فالدافق هو المندفق بشدة قوته (9) ، وقوله تعالى:"أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة:37] ؛ أي من قطرة ماء تمنى في الرحم أي تراق فيه ولذلك سميت مِنَى (مبيت الحجيج بمكة) لإراقة الدماء.., والنطفة الماء القليل يقال نطف الماء إذا قطر (10) ، وقال أبو السعود:"وقوله تعالى:"مّآءٍ دَافِقٍ".. ذي دفق وهو صَبٌ فيه دفع وسيلان بسرعة.. (و) قالوا أن النطفة.. مقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين" (11) ، وقال ابن الجوزي:"قال الزجاج ومذهب سيبويه وأصحابه أن معناه النسب إلى الإندفاق, أي صفة تكوينه الإندفاق, والمعنى من ماء ذي اندفاق" (12) ، , وفي تفسير الجلالين:"ذي اندفاق" (13) ، وقال الألوسي:"الدفق صب فيه دفع وسيلان بسرعة وأريد بالماء الدافق المني, ودافق قيل بمعنى مدفوق على تأويل اسم الفاعل بالمفعول.. وقال الخليل وسيبويه هو على النسب.. أي ذي دفق, وهو صادق على الفاعل والمفعول, وقيل هو اسم فاعل وإسناده إلى الماء مجاز, وأسند إليه ما لصاحبه مبالغة, أو هو استعارة.. كما ذهب إليه السكاكي.. بجعله دافقا لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق أي يدفع بعضه بعضا, وقد فسر ابن عطية الدفق بالدفع فقال الدفق دفع الماء بعضه ببعض يقال تدفق الوادي والسيل إذا جاء يركب بعضه بعضا, ويصح أن يكون الماء دافقا لأن بعضه يدفع بعضًا, فمنه دافق ومنه مدفوق" (14) ، وقال ابن عاشور:"معنى (دافق) خارج بقوة وسرعة والأشهر أنه يقال على نطف الرجل, وصيغة دافق اسم فاعل.. وهو قول فريق من اللغويين, وقال الجمهور.. دافقا بمعنى اسم المفعول.. وسيبويه جعله من صيغ النسب.. ففسر دافق بذي دفق, والأحسن أن يكون اسم فاعل.., وأطنب العجاج في وصف هذا الماء الدافق لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علما ويقينا" (15) . ها أنت ترى كم كانت حيرة المفسرين أمام هذا السر الدفين وهو الحركة الذاتية لعناصر حية في المني ومع ذلك بلغوه بترك تعبير القرآن (ماء دافق) على ظاهره حتى كشفت الأيام تأويله.
(ثانيًا) ما هو الصلب وما هي الترائب؟: