فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 4557

ولماذا نسأل عن هذه وحدها . و (كوني ) هذه هي الكلمة التي تكون بها أكوان ، وتنشأ بها عوالم ، وتخلق بها نواميس: { إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له:كن فيكون } .

فلا نسأل .كيف لم تحرق النار إبراهيم ، والمشهود والمعروف أن النار تحرق الأجسام الحية ؟ فالذي قال للنار: كوني حارقة . هو الذي قال لها: كوني بردًا وسلامًا . وهي الكلمة الواحدة التي تنشئ مدلولها عند قولها كيفما كان هذا المدلول . مألوفًا للبشر أو غير مألوف .

إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون: كيف كان هذا ؟ وكيف أمكن أن يكون ؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين ، واختلاف الأداتين ، فأنهم لا يسألون أصلًا ، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلًا . علميًا أو غير علمي . فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلًا . ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر . وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الأصالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه، لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود .

إن علينا فقط أن نؤمن بأن هذا قد كان لأن صانعه يملك أن يكون ، أما كيف صنع بالنار فإذا هي برد وسلام ؟ وكيف صنع بإبراهيم فلا تحرقه النار .. فذلك ما سكت عنه النص القرآني لأنه لا سبيل إلى إدراكه بعقل البشر المحدود . وليس لنا سوى النص القرآني من دليل.

وما كان تحويل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم إلا مثلًا تقع نظائره في صور شتى . ولكنها قد لا تهز المشاعر كما يهزها هذا المثل السافر الجاهر . فكم من ضيقات وكربات تحيط بالأشخاص والجماعات من شأنها أن تكون القاصمة القاضية ، وإن هي إلاّ لفتة صغيرة ، فإذا هي تحيي وتميت ، وتنعش ولا تخمد ، وتعود بالخير وهي الشر المستطير .

إن { يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم } لتتكرر في حياة الأشخاص والجماعات والأمم ، وفي حياة الأفكار والعقائد والدعوات. وإن هي إلا رمز للكلمة التي تبطل كل قول ، وتحبط كل كيد ، لأنها الكلمة العليا التي لا ترد !" (22) ."

* انتصار الله تعالى لكليمه موسى عليه السلام:

ذكر الله تعالى -في مواضيع كثيرة من كتابه- قصة موسى -عليه السلام-، فقص الله علينا قصته منذ ولادته ، ونشأته ، ثم دعوته لقومه ولفرعون .. وسنقتصر في هذا المقام على ذكر ما منّ الله به على موسى - عليه السلام - ومن آمن معه بالنجاة من فرعون وجنوده ، ثم ما لحق فرعون وجنوده من الغرق والهلاك .. وكذلك ما منّ به على بني إسرائيل - بعد ذلك - من التمكين في الأرض ، والاستخلاف فيها.. وهذا ما قرره الله تعالى في كتابه بقوله:

{ طسم ، تلك آيات الكتاب المبين ، نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ، إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، إنه كان من المفسدين ،ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } القصص (1-6) .

كان ذلك الفرعون الطاغية { علا في الأرض } وتكبر وتجبر ، وجعل أهل مصر شيعًا ، كل طائفة في شأن من شئونه .. ووقع أشد الاضطهاد والبغي على بني إسرائيل ، لأن لهم عقيدة غير عقيدته هو وقومه ، فهم يدينون بدين جدهم إبراهيم وأبيهم يعقوب ، ومهما يكن قد وقع في عقيدتهم من فساد وانحراف ، فقد بقي لها أصل الاعتقاد بإله واحد ، وإنكار أولوهية فرعون والوثنية الفرعونية جميعًا .

وكذلك أحس الطاغية أن هناك خطرًا على عرشه وملكه من وجود هذه الطائفة في مصر ، ولم يكن يستطيع أن يطردهم منها وهم جماعة كبيرة أصبحت تعد مئات الألوف ، فقد يصبحون إلْبا عليه مع جيرانه الذين كانت تقوم بينهم وبين الفراعنة الحروب ، فابتكر عندئذ طريقة جهنمية خبيثة للقضاء على الخطر الذي يتوقعه من هذه الطائفة التي لا تعبده ولا تعتقد بألوهيته ، تلك هي تسخيرهم في الشاق الخطر من الأعمال ، واستذلالهم وتعذيبهم بشتى أنواع العذاب . وبعد ذلك كله تذبح الذكور من أطفالهم عند ولادتهم ، واستبقاء النساء كي لا يتكاثر عدد الرجال فيهم ، وبذلك يضعف قوتهم بنقص عدد الذكور وزيادة عدد الإناث ، فوق ما يصبه عليهم من نكال وعذاب .

ورُوي أنه وكل بالحوامل من نسائهم قوابل مولدات يخبرنه بمواليد بني إسرائيل ، ليبادر بذبح الذكور ، فور ولادتهم حسب خطته الجهنمية الخبيثة ، التي لا تستشعر رحمة بأطفال أبرياء لا ذنب لهم ولا خطيئة ... الخ .

ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون ، ويقدر غير ما يقدر الطاغية . والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم ، فينسون إرادة الله وتقديره ، ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون .ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت