فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ويقول الدكتور مأمون شقفة في كتاب"القرار المكين":"الذرية هي النسل, واشتقاق كلمة الذرية من الذرة يدل على أن النسل يحصل بعناصر صغيرة جدا تبين الآن أنها الخلايا الجنسية.. ولكن ما يهمني هو أن الإشهاد هذا إنما حصل لذرية بني آدم من بعده كما فسر الحسن البصري إذ قال:"وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ"ولم يقل من آدم"مِن ظُهُورِهِمْ"ولم يقل من ظهره.., فإنما يأخذ الميثاق من البشر كأفراد قبل أن يخرجوا من عالم الذر إلى عالم المجسمات, وهذا الميثاق من نعم الله علينا فقد فطرنا على الشعور بحاجة ماسة إلى الإيمان بالخالق العظيم.."وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ" [لقمان: 25] .. المهم أننا نشعر بنداء الفطرة هذا في أعماقنا يشدنا إلى الله عز وجل ويذكرنا كلما ألم بنا طائف.. ولقد حيرت آية الصلب والترائب الألباب وذهب فيها المفسرون مذاهب شتى على قدر ما أوتي كل منهم من علم.. تحير المفسرون في خروج الماء من بين الصلب والترائب.. لعدم وجود معلومات طبية تشريحية بين أيديهم تدلهم.. منشأ الغدد التناسلية ليس في الواقع بين الصلب والترائب ولكن في الأصلاب بالذات (وإنما الخروج من بينهما) .., إن القرآن لا يقول أبدا: يخرج الماء الدافق من بين الصلب والترائب, ولكنه يقول"يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ"وهذه الآية مثل آيات الله تعالى الأخرى تشير إلى قدرة الله تعالى المتجلية في أمر عظيم هو الولادة أي إخراج الإنسان من بين الصلب والترائب.. فالضمائر هنا تتعلق بالإنسان رغم كون الماء أقرب.. لأن المعنى يختل ولا يستقيم إذا تعلقت هذه الضمائر بالماء.. وفي قواعد اللغة أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور له في الكلام, وقد يعود إلى البعيد بقرينة دالة عليه.., أما وقد وجدت القرينة القوية بما عندنا من علم حديث فلم يبق شك في أن هذا الضمير (في يخرج) يعود للإنسان, فما هي هذه القرينة؟ إن هذه القرينة هي أن الجنين (أي الإنسان) يكون أثناء الحمل وفي تمامه وحين يخرج (أي أثناء الولادة) بالضبط بين الصلب والترائب, ويكون الخط الواصل بين الصلب والترائب منطبقا على محور الجنين في أكثر من 97% من الحالات في المجيئات الطولانية الرأسية أو المقعدية.. ولا يخرج جنين واحد أبدا عن مدلول الآية الكريمة, إذن لم يعد هناك شك في أن ضمير"يَخْرُجُ"عائد إلى الإنسان, وفي أن الله تعالى يلفت نظرنا إلى عملية الولادة المعقدة" (31) .
(سادسًا) موجز الدراسة الدلالية:
في قوله تعالى:"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ"؛ الماء الدافق تعبير وصفي للمني لأنه سائل تركيبه يماثل قطيرات الماء إلا أنه حي تتدفق تكويناته وتتحرك بنشاط ويصدق عليها الوصف بصيغة اسم الفاعل (دافق) لدلالته على الحركة الذاتية, وجميع الأوصاف عدا وصف الماء بالدافق تتعلق بالإنسان لأن بدء خلقه هو محور الحديث والموضوع الرئيس, وهو المستدل به على إمكان الإرجاع, وضمير (له) في قوله تعالى:"فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ"لا يستقيم عوده إلى الماء وإنما الإنسان, وضمير (رجعه) في قوله تعالى:"إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ"الأظهر عوده إلى الإنسان والإرجاع هو إعادة الخلق للحساب بقرينة وقت الإرجاع"يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ", ولا توجد ضرورة لتشتيت مرجع الضمائر في"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ"و"خُلِقَ مِن مّآءٍ"و (رجعه) في"إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ"و"فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ"ولذا الأولى عود ضمير (يخرج) في"يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ"إلى الإنسان كذلك مثلها, خاصة أن المني لا يخرج بذاته كذلك وإنما من الخصية, والوصف بالإخراج آية مستقلة كبيان متصل بأصل الحديث عن الإنسان, وبيان القدرة الإلهية وسبق التقدير أجلى والاستدلال على إمكان الإعادة أوثق في إخراج الذرية من ظهور الأسلاف, والتلازم قائم بين (إخراج) الإنسان للدنيا وليدًا و (إرجاعه) حيًا بينما لا تلازم بين (إخراج) المني و (إرجاع) الإنسان, والخروج من الظهور مُبَيَّن في قوله تعالى:"وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ" [الأعراف:172] , وقوله:"أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَلابِكُمْ" [النساء: 23] , ولم يرد في القرآن فعل (الإخراج) متعلقا بالمني بينما ورد كثيرا متعلقا بالإنسان لبيان خروجه للدنيا وليدًا وخروجه حيًا للحساب.