فهرس الكتاب

الصفحة 1220 من 4557

نعم . لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها ، فإذا هم مطيعون لأمر الله ، منفذون لإشارة رسوله . ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم ، فإذا هم يسألون: { قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ } . . والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئًا فيما أنهى إليهم! فهم أولًا: يقولون: { ادع لنا ربك } . . فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانيًا: يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: { ما هي؟ } والسؤال عن الماهية في هذا المقام - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء . . ما هي؟ إنها بقرة . وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة .

بقرة وكفى!

هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة ، بأن يسلك في الإجابة طريقًا غير طريق السؤال . إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي . . إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين . يجيبهم عن صفة البقرة:

{ قال: إنها بقرة لا فارض ولا بكر ، عوان بين ذلك } . .

إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة ، وسط بين هذا وذاك . ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة:

{ فافعلوا ما تؤمرون } . .

ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية؛ وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين ، ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي . أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم ، لا عجوز ولا صغيرة ، متوسطة السن ، فيخلصوا بها ذمتهم ، وينفذوا بذبحها أمر ربهم ، ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق . . ولكن إسرائيل هي إسرائيل!

لقد راحوا يسألون:

{ قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ } . .

هكذا مرة أخرى: { ادع لنا ربك } ! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل:

{ قال: إنه يقول ، إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين } . .

وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة . . مجرد بقرة . . بل عن بقرة متوسطة السن ، لا عجوز ولا صغيرة ، وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها؛ وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: { تسر الناظرين } . . وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة؛ فهذا هو الشائع في طباع الناس: أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا ، وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا .

ولقد كان فيما تلكأوا كفاية ، ولكنهم يمضون في طريقهم ، يعقدون الأمور ، ويشددون على أنفسهم ، فيشدد الله عليهم . لقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية:

{ قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } . .

ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل:

{ إن البقر تشابه علينا } . .

وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة . فهم يقولون:

{ وإنا إن شاء الله لمهتدون } . .

ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدًا ، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرًا وضيقًا ، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها:

{ قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها } . .

وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر . صفراء فاقع لونها فارهة فحسب . بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة .

هنا فقط . . وبعد أن تعقد الأمر ، وتضاعفت الشروط ، وضاق مجال الاختيار:

{ قالوا: الآن جئت بالحق } . .

الآن! كأنما كان كل ما مضى ليس حقًا . أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة! { فذبحوها وما كادوا يفعلون } !!

عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف:

{ وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها ، والله مخرج ما كنتم تكتمون ، فقلنا: اضربوه ببعضها . كذلك يحيي الله الموتى ، ويريكم آياته لعلكم تعقلون } . .

وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة . جانب دلالتها على قدرة الخالق ، وحقيقة البعث ، وطبيعة الموت والحياة . وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة:

لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة . . لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم؛ ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه . ولم يكن هناك شاهد؛ فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته؛ وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه ، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح . . وهكذا كان ، فعادت إليه الحياة ، ليخبر بنفسه عن قاتله ، وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله؛ وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت