فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وللعرش قوائم ففي الصحيحين عن أبي سعيد قال (جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه ؛ فقال: يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ادعوه فدعوه فقال: لم لطمت وجهه ؟ فقال: يا رسول الله إني مررت بالسوق وهو يقول: والذي اصطفى موسى على البشر فقلت: يا خبيث وعلى محمد ؟ فأخذتني غضبة فلطمته . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذا بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقته) .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية (فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم) . أما إذا شغبنا بطلب الإيغال في معرفة حقيقة حجم العرش وحقيقة قوائمه وسائر أحواله وصفاته فهذا مما لا علم لنا به ، و هو الحد الفاصل الذي يستوي عنده العالم والجاهل ع فيبقى الكل عاجزًا حسيرًا عن تصور ماهيته ومعرفة أصل حقيقته ، والخوض في حقيقة ذلك تكلف منهي عنه ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم و اختلافهم على أنبيائهم)
ثانيًا: حقيقة حركة الشمس: وكذا حقيقة حركة الشمس. فالحديث صريح في أن الشمس هي التي تتحرك وأنها غير ثابتة ولا يقولن مسلم: لكن الحق الذي لا مرية فيه أن الشمس ثابتة لأن هذا غير ثابت بطريق القطع الحسي كما سنرى ولا يوجد إجماع كامل من كل العلماء على ذلك بل يوجد فريق كبير من العلماء المعاصرين على خلاف هذا الرأي كما سيتبين لاحقًا. وأنبه هنا على أني لست بصدد بعث استنهاض النقاش حول ثبوت دوران الشمس من عدمها أو دوران الأرض من عدمها وإنما القصد الأهم عندي هو التأكيد على أن هذه النظريات ليست محل اتفاق كلي أبدي سرمدي وأن حقيقة حركة الشمس أمر لم يحسم حسمًا تامًا كما سيظهر إن شاء الله. أعود فأقول لم يطبق على أمر ثبات الشمس كل علماء الفلك والفيزياء ولم يتفقوا عن بكرة أبيهم على ضد ذلك وإن اتفق أكثر الناس لشهرة المعلومة لا لثبوتها لديهم من طريق حسي يقيني. لم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القول بثبات الشمس يستند إلى شاهدٍ قطعي من الواقع الملموس. غاية ما هنالك أن هذا النموذج الذي يسمونه النموذج الشمسي (heliocentric) والذي وضعه كوبرنيكس استحسنه وفضله العلماء لأنه أنسب من جهة الحساب في تفسير دوران الكواكب وحركة الأجرام. وقد نص كثير من كبار علمائهم مثل"فرد هويلي"و"بول ديفس"و"برتراند رسل"على احتمالية هذه المسألة وخضوعها لمبدأ النسبية أكثر من كونها نظرية أضحت حتمًا مقضيًا. وصرح آخرون مالفيسلوف الأمريكي والتر ستيس بأنه لو قال أحد أن الشمس هي التي تدور لا يمكن لأحدٍ أيًا كان أن يبرهن (بطريق الحس) على خطأه إلا إذا استطاع أن ينظر للكون كله من الخارج ويرى ذلك وهذا مستحيل في الوقت الراهن. ولذلك يؤكد الفيزيائي المعاصر بول ديفس على أنه لن نتمكن أبدًا من التأكد من صحة هذا التصور مهما بدا دقيقًا وعليه (فليس لنا أن نستبعد كليٌّا أن صورة أكثر دقة قد تُكتشف في المستقبل) .
ومن هنا دافع مؤيدوا كوبرنيكس نفسه عنه أمام الكنيسة - التي عارضته - وقالوا (بأن النموذج الذي قدمه كان مجرد تحسين رياضي مفيد لتحديد أماكن الكواكب في المجموعة الشمسية، وليس تمثيلًا حقيقيٌّا لواقع العالم) .
وقد ظهر الآن فريق من العلماء يعرفون ب (Neo-geocentric scientists) أي"علماء النموذج الأرضي المتأخرين/ المعاصرين"و يؤيدون في نموذجهم بأدلتهم الجديدة النموذج الأرضي القائل بثبات الأرض ودوران الشمس. ولذلك لم يجرؤ عالم معتبر على زعم ثبوت النموذج الشمسي بطريق الحس وإن كان لديهم قرائن ليست بأفضل من استحسانهم الرياضي للنموذج. ومع كونه رياضيا فإنهم لم يجعلوا الحساب فيصلًا يقينيًا لأن جمهورهم متفقون على أنه لا يلزم من صحة النتيجة الرياضية مطابقتها للحقيقة الفيزيائية الخارجية من كل وجه ، وقد اشتغل الفيزيائي ستيفن هوكنغ ردحًا من الزمن بتفسير ما أسماه الثقوب السوداء بالاعتماد على الرياضيات والمعادلات حتى اغتر هو وكثير من العلماء - فضلًا عن عوام الناس - وكادوا يقطعون بوجود هذه الثقوب لولا أن هذا العالم أعلن قبل عدة أشهر أنه لم يتوصل إلى نتيجة مرضية وأنه لا يوجد ما يمكن الاعتماد عليه للقطع بوجود هذه الظاهرة سوى التخمينات الرياضية. ولنضرب على ذلك مثلًا من فيزياء الكم أو الفيزياء الكمومية والتي اعتبرها العالم الألماني البرت أينشتاين ضربًا من الخرافة لما انطوت عليه من أمور يظن السامع لها أنها تخالف صريح المعقول ، ومع ذلك فالعلماء الملاحدة يؤمنون بأعاجيبها وغراباتها ويستميتون في الدفاع عنها ، أفلا نؤمن نحن بقدرة العزيز الحكيم الخبير العليم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ؟