فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وعندما نتأمل هذا الجسر الذي يصل بين الأم والجنين نرى أن هذا العمل الذي تنجزه خلايا"تروفوبلاست"يستوجب معرفة هندسية دقيقة وكاملة، لأن النظم المقامة من قبل هذه الخلايا تكون قد أرست قواعد"جسر الحياة"بين الأم وجنينها . فهي ـ من جانب ـ تكون سدًا منيعًا أمام المواد المهلكة للجنين، ومن جهة أخرى تترك فجوات ومسالك لوصول المواد الضرورية إليه .
ما ذكرناه آنفًا ليس إلا جزء قليلًا من خواص ووظائف خلايا تروفويلاست، ولكنه يكفي للاستدلال على كمال التصميم ولا شك أنه من الواضح جدًا أن هذا التركيب والبنية التي تقوم بتكوين فجوات ومسالك بمقياس منضبط ومعير تمامًا لمرور المواد النافعة إلى الداخل ومنع مرور المواد الخطرة والضارة للجنين لا يمكن أن تظهر نتيجة المصادفات أبدًا .
تشاهد في هذه الصورة الجنين في مرحلة البلاستولا وهو منغرس في جدار الرحم . فالجنين يعثر على منطقة تكثر فيها الأوعية الدموية وتلتصق بها . وكما تنمو البذرة المزروعة في الأرض وتصعد إلى أعلى من جهة وتمد جذورها إلى باطن التربة من جهة أخرى ، كذلك ينمو الجنين من جهة ومن جهة أخرى يتقدم نحو عمق النسيج الذي يستمد منه الغذاء ليجد له أوعية دموية جديدة . والتي تقوم بهذا العمل الجديد . والتي تقوم بهذا العمل وخلايا خاصة تسمى خلايا الجرثومة الغذائية Trophoblast الموجودة خارج الجنين .
ومن يعتقد بأن جميع هذه المواصفات والخواص الخارقة قد ظهرت عن طريق المصادفات العشوائية يعجز عن الإجابة عن الأسئلة الآتية:
من أين تعرف هذه الخلايا المواد الضرورية لنمو الجنين ؟
كيف تستطيع تمييز المواد الضرورية للجنين من بين المواد العديدة جدًا الموجودة في الدم ؟
كيف تعلمت أن خلايا الدفاع تكون مهلكة وضارة للجنين ؟
كيف استطاعت معرفة حجم المواد الضارة والخطرة ؟
كيف عقلت ضرورة إقامة شبكة تمنع مرور هذه المواد الخطرة، وتسمح في الوقت نفسه بمرور المواد النافعة .
كيف عرفت أن خلايا الدماغ ضارة وخطيرة بالنسبة للجنين ؟
كيف وصلت منذ البداية إلى معرفة أحجام المواد الخطرة .
كيف عقلت وأدركت كيفية بناء شبكة تقوم بمنع المواد الخطرة للجنين وتسمح في الوقت نفسه للمواد الضرورية النافعة بالمرور؟
من الضروري ـ من أجل حفظ نسل الإنسان، ـ عدم وجود أي خطأ في هذا النظام وكل من عنده مسحة من عقل وإنصاف يعرف أن المصادفات العشوائية لا تستطيع أن تكسب الخلايا مثل هذه القابلية والمواصفات لا تستطيع إيجاد نظام ثم تأمين عمل هذا النظام عينه في جميع البشر . لا شك بأن الله تعالى هو خالق خلايا تروفوبلاست وهو الذي أكسبها هذه القابليات وهذه الصفات التي تساعد علىنشوء الإنسان، وهذا مثال واحد فقط من بديع صنع الله وخلقه:
قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الاحقاف:4) .
المشيمة جسر الحياة بين كائنين حيين:
عندما نقارن الأجهزة المساعدة لحيارة الإنسان التي تبلغ أسعارها ملايين الدولارات والتي توجد في أحدث المستشفيات التي تستخدم آخر ما وصلت إليه التكنولوجيا العصرية مع قطعة لحم لا تزن إلا بضعة كيلوغرامات تبدو هذه الأجهزة أمامها كأجهزة بدائية متخلفة عنها كثيرًا . قطعة اللحم هذه هي خلايا المشيمة التي يطلق عليها بحق اسم"البطل الحقيقي للولادة" [2]
أضغط على الصورة لتكبيرها
المشيمة هي الجهاز الوحيد الذي يقوم بحساب الحاجات المتغيرة للجنين وكيفية إشباع هذه الحاجات دون أي نقص، فالحلايا الموجودة على السطح الخارجي للمشيمة تكّون نوعًا من جهاز تصفية بين الأوعية الدموية للأم وبين الجنين ، فمثلًا بينما يقوم بالسماح للمواد الغذائية بالمرور نراه يمنع مرور عناصر الدفاع في الدم من المرور فيه . والمشيمة تتكون أيضًا من الخلايا ، فمن أين تستطيع هذه الخلايا معرفة حاجات الجنين ؟ وكيف تفهم نوع الخلايا التي يجب حماية الجنين منها ؟ وكيف تستطيع تمييز وانتخاب المواد التي يحتاجها الجنين من بين ملايين الجزيئات ؟ من الذي أعطى هذا العقل الخارق للمشيمة التي هي عبارة عن مجرد قطعة لحم مكونة من خلايا ؟ لا شك أن الله وحده هو الذي اتخذ جميع الدابير اللازمة لصيانة حياة الجنين ووضع النظم الكفيلة لتحقق هذا في الجسم ، إنه على كل شيء قدير .
يبدأ الجنين بعد مرحلة معينة بأخذ الغذاء والأوكسجين والمواد الأخرى اللازمة لنموه من دم الأم، وللمشيمة التركيب والبنية التي يتحقق بها هذا الأمر، وهي تقوم بوظيفة الجسر في تجهيز هذه المواد وتوصيلها وتبادلها بين الأم وبين الجنين، فلقد خلقت المشيمة لمواجهة وتلبية حاجات الجنين النامي ومتطلباته .