فهرس الكتاب

الصفحة 1286 من 4557

وهي السن التي نرجح أن الحادثة وقعت فيها . . نرجحه لأن تصرف المرأة في الحادثة وما بعدها يشير إلى أنها كانت مكتملة جريئة ، مالكة لكيدها ، متهالكة كذلك على فتاها . ونرجحه من كلمة النسوة فيما بعد . . { امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه } . . وإن كانت كلمة فتى تقال بمعنى عبد ، ولكنها لا تقال إلا ولها حقيقة من مدلولها من سن يوسف . وهو ما ترجحه شواهد الحال .

نبحث هذا البحث ، لنصل منه إلى نتيجة معينة . لنقول: إن التجربة التي مر بها يوسف أو المحنة لم تكن فقط في مواجهة المراودة في هذا المشهد الذي يصوره السياق . إنما كانت في حياة يوسف فترة مراهقته كلها في جو هذا القصر ، مع هذه المرأة بين سن الثلاثين وسن الأربعين ، مع جو القصور ، وجو البيئة التي يصورها قول الزوج أمام الحالة التي وجد فيها امرأته مع يوسف:

{ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } .

وكفى . . !

والتي يتحدث فيها النسوة عن امرأة العزيز ، فيكون جوابها عليهن ، مأدبة يخرج عليهن يوسف فيها ، فيفتتن به ، ويصرحن ، فتصرح المرأة: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين } . .

فهذه البيئة التي تسمح بهذا وذلك بيئة خاصة . هي بيئة الطبقة المترفة دائمًا . ويوسف كان فيها مولى وتربى فيها في سن الفتنة . . فهذه هي المحنة الطويلة التي مر بها يوسف ، وصمد لها ، ونجا منها ومن تأثيراتها ومغرياتها وميوعتها ووسائلها الخبيثة . ولسنه وسن المرأة التي يعيش معها تحت سقف واحد كل هذه المدة قيمة في تقدير مدى الفتنة وخطورة المحنة والصمود لها هذا الأمد الطويل . أما هذه المرة فلو كانت وحدها وكانت مفاجأة بلا تمهيد من إغراء طويل ، لما كان عسيرًا أن يصمد لها يوسف ، وبخاصة أنه هو مطلوب فيها لا طالب . وتهالك المرأة قد يصد من نفس الرجل . وهي كانت متهالكة .

والآن نواجه النصوص:

{ وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ، وغلقت الأبواب ، وقالت: هيت لك! } . .

وإذن فقد كانت المراودة في هذه المرة مكشوفة ، وكانت الدعوة فيها سافرة إلى الفعل الأخير . . وحركة تغليق الأبواب لا تكون إلا في اللحظة الأخيرة ، وقد وصلت المرأة إلى اللحظة الحاسمة التي تهتاج فيها دفعة الجسد الغليظة ، ونداء الجسد الأخير:

{ وقالت: هيت لك! } .

هذه الدعوة السافرة الجاهرة الغليظة لا تكون أول دعوة من المرأة . إنما تكون في الدعوة الأخيرة . وقد لا تكون أبدًا إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارًا . والفتى يعيش معها وفتوته تتكامل ، وأنوثتها هي كذلك تكمل وتنضج ، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة ، قبل هذه المفاجأة الغليظة العنيفة .

{ قال: معاذ الله . إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون } .

{ معاذ الله } . .

أعيذ نفسي بالله أن أفعل .

{ إنه ربي أحسن مثواي } . .

وأكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن .

{ إنه لا يفلح الظالمون } . . الذين يتجاوزون حدود الله ، فيرتكبون ما تدعينني اللحظة إليه .

والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي ، المصحوب بتذكر نعمة الله عليه ، وبتذكر حدوده وجزاء من يتجاوزون هذه الحدود . فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهزة بعد تغليق الأبواب ، وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته:

{ وقالت: هيت لك } .

{ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } !

لقد حصر جميع المفسرين القدامى والمحدثين نظرهم في تلك الواقعة الأخيرة . فأما الذين ساروا وراء الإسرائيليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة مندفعًا شبقًا ، والله يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع! صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضًا على أصبعه بفمه! وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن أي نعم من القرآن! تنهى عن مثل هذا المنكر ، وهو لا يرعوي! حتى أرسل الله جبريل يقول له: أدرك عبدي ، فجاء فضربه في صدره . . إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة وهي واضحة التلفيق والاختراع!

وأما جمهور المفسرين فسار على أنها همت به هم الفعل ، وهم بها هم النفس ، ثم تجلى له برهان ربه فترك . وأنكر المرحوم الشيخ رشيد رضا في تفسير المنار على الجمهور هذا الرأي . وقال: إنها إنما همت بضربه نتيجة إبائه وإهانته لها وهي السيدة الآمرة ، وهم هو برد الاعتداء؛ ولكنه آثر الهرب فلحقت به وقدت قميصه من دبر . . وتفسير الهم بأنه هم الضرب ورد الضرب مسألة لا دليل عليها في العبارة ، فهي مجرد رأي لمحاولة البعد بيوسف عن هم الفعل أو هم الميل إليه في تلك الواقعة . وفيه تكلف وإبعاد عن مدلول النص .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت