فهرس الكتاب

الصفحة 1288 من 4557

و { عن } للمجاوزة ، أي راودته مباعدة له عن نفسه ، أي بأن يجعل نفسه لها . والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أي فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه .

وأما تعديته ب ( على ) فذلك إلى الشيء المطلوب حصوله . ووقع في قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يراود عمه أبا طالب على الإسلام: وفي حديث الإسلاء «فقال له موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه» .

والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: { التي هو في بيتها } لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف عليه السّلام لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوّعه لمرادها .

و { بيتها } بيت سكناها الذي تبيت فيه . فمعنى { هو في بيتها } أنه كان حينئذٍ في البيت الذي هي به ، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله ، وهو قصر العزيز . ومنه قولهم: ربة البيت ، أي زوجة صاحب الدار ويكون معنى { هو في بيتها } أنه من جملة أتباع ذلك المنزل .

وغلق الأبواب: جَعْل كل باب سادًّا للفرجة التي هو بها .

وتضعيف { غلّقت } لإفادة شدة الفعل وقوته ، أي أغلقت إغلاقًا محكمًا .

والأبواب: جمع باب . وتقدم في قوله تعالى: { ادخلوا عليهم الباب } [ سورة المائدة: 23 ] .

وهَيتَ اسم فعل أمر بمعنى بَادرْ . قيل أصلها من اللغة الحَوْرانية ، وهي نبطية . وقيل: هي من اللغة العبرانية .

واللام في { لك } لزيادة بيان المقصود بالخطاب ، كما في قولهم: سقيًا لك وشكرًا لك . وأصله: هيتَك . ويظهر أنها طلبت منه أمرًا كان غير بدع في قصورهم بأن تستمتع المرأة بعبدها كما يستمتع الرجل بأمته ، ولذلك لم تتقدم إليه من قبل بترغيب بل ابتدأته بالتمكين من نفسها .

وفي { هيت } لغات . قَرأ نافع ، وابن ذكوان عن ابن عامر ، وأبو جعفر بكسر الهاء وفتح المثناة الفوقية . وقرأه ابن كثير بفتح الهاء وسكون التحتية وضم الفوقية . وقرأه الباقون بفتح الهاء وسكون التحتية وضم التاء الفوقية ، والفتحة والضمة حركتا بناء .

و { مَعاذ } مصدر أضيف إلى اسم الجلالة إضافة المصدر إلى معموله . وأصله: أعوذ عَوذًا بالله ، أي أعتصم به مما تحاولين . وسيأتي بيانه عند قوله: { قال معاذ الله أن نأخذ } [ سورة يوسف: 79 ] في هذه السورة .

و ( إنّ ) مفيدة تعليل ما أفاده معاذ الله من الامتناع والاعتصام منه بالله المقتضي أن الله أمر بذلك الاعتصام .

وضمير { إنه } يجوز أن يعود إلى اسم الجلالة ، ويكون { ربي } بمعنى خالقي . ويجوز أن يعود إلى معلوم من المقام وهو زوجها الذي لا يرضى بأن يمسها غيره ، فهو معلوم بدلالة العرف ، ويكون { ربي } بمعنى سيدي ومالكي .

وهذا من الكلام الموجّه توجيهًا بليغًا حكي به كلام يوسف عليه السّلام إمّا لأن يوسف عليه السّلام أتى بمثل هذا التركيب في لغة القِبط ، وإما لأنه أتى بتركيبين عُذرين لامتناعه فحكاهما القرآن بطريقة الإيجاز والتوجيه .

وأيًا ما كان فالكلام تعليل لامتناعه وتعريض بها في خيانة عهدها .

وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف والتقوى وعصمة الأنبياء قبل النبوءة من الكبائر .

وذُكِرَ وصف الرب على الاحتمالين لما يؤذن به من وجوب طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى الله ، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز .

وأكدَ ذلك بوصفه بجملة { أحسن مثواي } ، أي جعل آخرتي حسنى ، إذ أنقذني من الهلاك ، أو أكرم كفالتي . وتقدم آنفًا تفسير المثوى .

وجملة { إنه لا يفلح الظالمون } تعليل ثان للامتناع . والضمير المجعول اسمًا ل ( إن ) ضميرُ الشأن يفيد أهمية الجملة المجعولة خبرًا عنه لأنها موعظة جامعة . وأشار إلى أن إجابتها لما راودته ظلم ، لأن فيها ظلم كليهما نفسه بارتكاب معصية مما اتفقت الأديان على أنها كبيرة ، وظلم سيده الذي آمنه على بينه وآمنها على نفسها إذ اتخذها زوجًا وأحصنها .

والهم: العزم على الفعل . وتقدم عند قوله تعالى: { وهمّوا بما لم ينالوا } في سورة براءة ( 74 ) . وأكد همّها ب { قد } ولام القسم ليفيد أنها عزمت عزمًا محققًا .

وجملة { ولقد همت به } مستأنفة استئنافًا ابتدائيًا . والمقصود: أنها كانت جادة فيما راودته لا مختبرة . والمقصود من ذكر هَمّها به التمهيد إلى ذكر انتفاء همه بها لبيان الفرق بين حاليهما في الدين فإنه معصوم .

وجملة { وهَمّ بها لولا أن رأى برهان ربه } معطوفة على جملة { ولقد همت به } كلها . وليست معطوفة على جملة { همت } التي هي جواب القسم المدلول عليه باللام ، لأنه لما أردفت جملة { وهمّ بها } بجملة شرط { لولا } المتمحض لكونه من أحوال يوسف عليه السّلام وحْده لا من أحوال امرأة العزيز تعين أنه لا علاقة بين الجملتين ، فتعين أن الثانية مستقلة لاختصاص شرطها بحال المسند إليه فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت