فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد ، كهم يوسف هذا ، بدليل قوله: { إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ والله وَلِيُّهُمَا } [ آل عمران: 122 ] لأن قوله: { والله وَلِيُّهُمَا } يدل على أن ذلك الهم ليس معصية ، لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية .
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة ، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني ، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلي ، بخلاف هم امرأة العزيز ، فإنه هم عزم وتصميم ، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها ، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه .
ومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها ، بدليل الحديث الثات في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة:
« إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار » قالوا يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: « إنه كان حريصًا على قتل صاحبه » فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصيه أدخله الله بسببها النار .
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل ، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله ، أي قاربت أن اقتله ، كما قاله الزمخشري .
وتأويل الهم بأنه هم بضربها ، أو هم بدفعها عن نفسه ، فكل ذلك غير ظاهر ، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه .
والجواب الثاني - وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا ، بل هو منفى عنه لوجود البرهان .
قال مقيدة عفا الله عنه: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان ةغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية ، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه ، كقوله: { فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ } [ يونس: 84 ] اي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه ، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب ، لأن جواب الشروط وجواب { لَوْلاَ } لا يتقدم ، ولكن يكون المذكور قبله دليلًا عليه كالآية المذكورة . وكقوله: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ البقرة: 111 ] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم .
وعلى هذا القول: فمعنى الآية ، وهم بها لولا رأى برهان ربه ، أي لولا أن رآه هم بها . فما قبل { لولا } هو دليل الجواب المحذوف ، كما هو الغالب في القرآن واللغة .
ونظير ذلك قوله تعالى: { إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لولا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } [ القصص: 10 ] فما قبل { لَوْلاَ } دليل الجواب . أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به .
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب { لولا } وتقديم الجواب في سائر الشروط: وعلى هذا القول يكون جواب { لَوْلاَ } في قوله: { لولا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } هم ما قبله من قوله: { وَهَمَّ بِهَا } .
وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون ، ومن أعلام البصريين: ابو العباس المبرد ، وأبو زيد الأنصاري .
وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها ألبتة ، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان . كما تقولك لقد قارفت لولا أن عصمك الله . ولا نقول: إن جواب { لولا } متقدم عليها ، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك ، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها . وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري ، وأبو العباس المبرد .
بل نقول: إن جواب { لَولاَ } محذوف لدلالة ما قبله عليه ، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: انت ظالم إن فعلت .